فهرس الكتاب

الصفحة 9138 من 9994

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين واشهد ألا إله ألا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فمن النعم التي أنعم الله تبارك وتعالى عليتا بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن معجزته الكبرى بقيت على مر الدهور والعصور كاملة غير منقوصة غضة كما أنزلت على خير الخليقة صلى الله عليه وسلم فها هي بيننا لا يحول بيننا وبينها شيء بخلاف المعجزات الأخرى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن لنا نصيب من مشاهدتها أما معجزته الكبرى فها هي بيننا أما المحروم فهو من لم تنفعه هذه المعجزة ولم يقدرها حق قدرها ولم يحس بعظمتها مع انه قامت الحجة عليه بها كثير من المؤمنين عند سماع هذا القرأن أو تلاوته يهز قلوبهم ويؤثر فيهم فترق قلوبهم وجلودهم من خشية الله تعالى كما قال سبحانه: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر:23] . ولكن من أعجب الأمور وأغرب الظواهر أن كثيرا من المؤمنين ينفعلون عند سماع الدعاء دعاء الختم في التراويح فيرتفع النشيج والبكاء وذلك أمر طيب ومحمود فإن من المطلوب من المؤمن إذا وقف بين يدي ربه أن يلح في الدعاء ويلج بالبكاء يبكِ على نفسه وعلى ذنوبه بين يدي الملك العلام سبحانه وتعالى ولكن السؤال لماذا لم يبكي هؤلاء عند سماع القرآن؟ وقد تلي القرآن عليهم قبل الدعاء بأجمل الأصوات وأفصح التلاوات ومع ذلك لم ينفعلوا معه كما انفعلوا مع الدعاء والإنفعال مع الدعاء في الغالب يكون بسبب المشاركة فإن المصلين تعودوا أن ينفعل إمامهم مع الدعاء فينفعلون معه ثم يجد المصلي نفسه وسط جو مشحون بالإنفعالات فلا يملك نفسه إلا أن يشارك وفي ذلك خير ولكن لماذا لم يحدث ذلك عند تلاوة القرآن أو سماعه يجب أن يخاف كل مؤمن على نفسه من مصيبة عظمى وهي انقفال القلب عن القرآن فإن القلب قد يقفل عن القرآن من باب العقوبة فالقرآن مرتبة عليا لا يصل إليها إلا من أنعم الله عليه سبحانه وتعالى فإذا أقفل القلب عن القرآن فتلك مصيبة وأي مصيبة يسمع المؤمن القرآن فلا يحركه ولا يؤثر فيه لا ينفعل لا يبكي لا يدرك ولا يفهم معاني ومرامي ما يسمع وهذا من العقوبات على المعاصي والذنوب وعلى الغفلة وهجران القرآن العظيم قال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد:24] . فالخوف كل الخوف من تلك الأقفال وعلاج ذلك إدمان تلاوة القرآن العظيم مع التدبر والتفكر والاستعانة بما يناسبه من كتب التفسير فإن لم يتمكن من ذلك فليجلس في حلقات الذكر حلقات تفسير القرآن العظيم فإن هذا مما يعالج تلك الأقفال ويزيلها بإذن الله تعالى عن قلب المؤمن.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) (3) [1] اللهم صلي وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأرضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير (336) باب تفسير سورة الطور (4/1839) .

(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدراً (4/1475) .

(3) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة باب الصلاة على النبي بعد التشهد (1/306) .

الخطبة الأولى:

أما بعد. . .

أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى، فإن الله تعالى شرع الصيام لتتقوه و اشكروا الله عباد الله أن بلغكم شهر رمضان العظيم الذي أنزل فيه أحسن كتبه وبعث فيه خاتم رسله وجعله روضة من رياض الجنة وموسماً عظيماً من مواسم الخير، فيه تغلق أبواب النيران، وفيه تفتح أبواب الجنان وتصفد الشياطين.

واعلموا - عباد الله- أن الله تعالى قد خص الصيام بأجر عظيم جاز قانون التقدير والحساب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً قال الله تعالى: (( كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) ) (1) .

أيها المؤمنون، إن الفضائل والأجور التي جعلها الله تعالى للصائمين لا تحصل إلا إذا أخلص فيه العباد لله تعالى، و اقتفي فيه أثر النبي صلى الله عليه وسلم. فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (2) والإيمان والاحتساب إنما يكون بإخلاص النية لله تعالى وابتغاء وجهه ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فعليك يا عبد الله بإخلاص النية لله تعالى، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتغي به وجهه. وعليك أيضاً أن تتابع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله، فإن الله تعالى قد سد كل الطرق الموصلة إليه سبحانه إلا طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتهدوا بارك الله فيكم في معرفة سنن نبيكم وأحواله وأقواله فإن فيهما خير الدنيا والآخرة.

أيها المؤمنون، إن مما يجب على الصائم أن يعلمه أحكام المفطرات التي يجب عليه اجتنابها في الصيام. وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ? فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ? (3) فأكبر هذه المفطرات و أعظمها الجماع في نهار رمضان، فإن فيه الكفارة المغلظة وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. أما ثاني هذه المفطرات فهو إنزال المني بشهوة اختياراً فإذا نزل المني بغير اختيار. كأن يحتلم الصائم فإنه لا يفطر بذلك. أيها المؤمنون ثالث هذه المفطرات الأكل والشرب، سواء كان عن طريق الفم أو الأنف، لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: (( بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ) ) (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت