الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يُحِبُّ ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين .
أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون حقَّ التقوى ، واحْذَروا المخالفاتِ فإن أجسامَكُم على النارِ لا تَقْوى .
أيها المسلمون: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُحذِّر في خُطْبتِه من البِدَع ويُبَيِّن أنها ضَلالاتٍ وأنَّها في النارِ، لِهذا فإن المسلمَ يجبُ أن يُولِي الحذَر من البدع ما كان يُولِيهِ إيَّاها صلى الله عليه وسلم حيث كان يُحذِّر منها في خُطَبه ومُنَاسَبَاتِه التي تَجمعُه مع أصحابِه عِلماً منه صلى الله عليه وسلم أن البِدعَ إذا سَرَت في الأُمة ارْتَحَلتْ منها السنَن التي نَزَلت نقِيَّةً صافيةً مُوائِمةً لحاجةِ الناس .
فعلى الجميعِ أن يكونَ ذا حساسيةٍ وحذرٍ من سريانِ البدعِ المُضلَّة في الأُمة ، ومَدارُ الأمرِ يكونُ في الحرصِ على دِين الناسِ ودُنياهم فإن الدين يَنْهى عن البدعِ، وزوال الدنيا من أسبابه البدعُ والمُحدَثات .
ألا وإنَّه من الواجِب التنبيهُ عليه ما يُقامُ هذه الأيام مِمَّا يسمَّى ( مهرجانُ الزهورِ) وهو في حقيقتِه عيدٌ من أعيادِ الجاهليةِ يُقامُ كلَّ عامٍ على مستوى العالَمِ ولكنَّه سرى إليْنا في العام الماضي بسببِ تَساهُلِ أهْلِ الإسلامِ من جهة ومن أُخرى من آثار ما يُسَمَّى الانْفِتَاح على العالم، ومهرجانُ الزهورِ في البلادِ الأخرى يُسمَّى عيدُ الزهور وهو عيدُ الربيعِ حيثُ تكون فيه الورودُ والزهورُ والخضرةُ قد وصلت إلى قمَّتِها وجمالها وكمالها، وهو عيدٌ فرعونيّ يكون الاحتفالُ به في الحدائق العامةِ شكراً للإله على الربيع الدائمِ والخضرةِ الجميلة .
وسَرى هذا العيدُ إلى بلدان العالم شرقيِّها وغربيِّها في الصينِ واليابانِ والفلبين فضلاً عن مِصرَ والبلادِ العربية التي هي أقربُ إلى الجاهليةِ الفرعونيَّة .
الحمد لله؛ يعطي ويمنع ، ويبسط ويقبض ، ويرفع ويخفض ، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه ، وهو على كل شيء قدير، نحمده على ما أعطى، ونشكره على ما أولى (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) )وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ له الحكم والتدبير في خلقه، وله الحكمة البالغة في قضائه وقدره، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ عرض عليه ربه الدنيا فرضي بالكفاف، وخيَّره بين النبوة مع الملك، وبين العبودية مع النبوة؛ فاختار أن يكون عبدا رسولا، على أن يكون ملكا رسولا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ آمنوا به، وهاجروا معه، وقاتلوا دونه، وبذلوا في الإسلام كل ما يملكون؛ إرضاء لربهم، وتصديقا لإيمانهم، ونصرة لدينهم، فمنهم من قضى ولم ينل من الدنيا شيئا، ومنهم من أدرك شيئا من حظها، فخاف أن تكون طيباته قد عجلت له، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصيكم - أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل في العسر واليسر، والرخاء والشدة؛ ففي التقوى تفريج لكرب الدنيا الآخرة (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) ) (الطلاق:3,2) .
أيها الناس: خلق الله تعالى الأرض وما عليها، وأفاض على العباد من أرزاق السماء وبركات الأرض ما يكون عونا لهم في حياتهم الدنيا، وأمرهم بعبادته وحده لا شريك له (( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) ) (البقرة: 29) .
(( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ) ) (الجاثية: 13) .
والمال هو من جملة ما سخره الله تعالى للبشر، وبه يتبايعون ويتعاملون، وبه يُقَدِّرون قيمة ما يتبادلون، والمال شهوة من الشهوات، وقد رُكِّب في بني آدم محبة الشهوات: (( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ) ) (آل عمران: 14) .
وفي الآية الأخرى: (( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ) ) (الفجر: 20) .
وهو من زينة الدنيا التي يحب البشر نماءها وزيادتها، ولا يشبعون منها مهما كانت كثرتها: (( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ) (الكهف: 46) .
وروى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) )رواه الشيخان .
وليس إمداد الله تعالى عبده بالمال دليل رضى ومحبة، بل قد يكون ابتلاء أو استدراجا أو عذابا؛ كما قال سبحانه في حق الكافرين (( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ) ) (المؤمنون: 56,55) .
وقال سبحانه في حق أبي لهب (( مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) ) (المسد: 2) .
وفي المنافقين: (( وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ) (التوبة: 85) .
وكثير من الناس يظنون أن من رضى الله تعالى إغداق النعم على العباد ، وأن من عدم الرضى قلة المال؛ ولذا جاء في القرآن الزجر عن هذا الفهم المغلوط (( فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) ) (البلد: 16,15) أي ليس الأمر كما تظنون.
ولما تفاخر أغنياء الكفار بكثرة أموالهم وأولادهم على فقراء المؤمنين (( وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) )كان الجواب عليهم (( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) )ولذلك يقال لهم يوم القيامة: (( مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) ) (الأعراف: 48) .
إذا تقررت هذه الأصول العظيمة عند المؤمن، وفهمها حق الفهم، وأيقن أن المال مال الله تعالى، يقسمه بين عباده كيف شاء؛ فإنه لا يجزع لفوات شيء منه، ولا تتطلع نفسه إلى ما ليس له، ويرضى بما قدر عليه فيه .
ومجالات تنمية الأموال في هذا العصر قد تنوعت ، وتعددت وسائلها، وقذفت النظم الرأسمالية بمئات الصور في إدارة الاقتصاد وتنمية الأموال ، تنتظم في سلك الحرية المطلقة من أي قيود دينية أو أخلاقية تحول بين الرأسماليين وبين الأرباح الكبيرة؛ فاتسعت دائرة الربا والغش والنجش والغرر والاحتكار، وصار الأقوياء أكثر قدرة على اصطياد الضعفاء وإغرائهم ، ثم سحقهم وإنهائهم، ويكفي تصريحٌ أو تلميحٌ أو إشارةٌ من أحد كبار المرابين ليحدث على أثره ارتباك كبير في أسواق المال والأعمال ، يأتي على السواد الأعظم من الناس.