وسوق الأسهم هي من الأسواق الحديثة التي أفرزها النظام الرأسمالي، وأقبل على الاتجار بها كثير من الناس؛ فتقلّبوا في أرباحها وخسارتها، وذاقوا حلاوتها كما طعموا مرارتها، وجربوا فيها الثراء السريع، كما جربوا الخسارة الكبيرة، وكثرت فيها أقوال الفقهاء والمفتين؛ فأحلها قوم وحرمها آخرون ، وتوقف فيها قوم وفصل القول فيها آخرون، وكثير من معاملتها يخالطها شيء من الربا أو الاحتكار أو النجش، ومن يدخل سوقها من عامة الناس يدخلونها على غرر وعدم علم ، إِنْهُم إلا مقلدون لغيرهم ، متبعون للأثرياء منهم.
وما الأسهم إلا من البلاء الرأسمالي الذي أغرق العالم كله بأنواع المعاملات المحرمة والمختلَطة والمتشابهة التي تحار فيها العقول ، ويختلف فيها المجتهدون.
ومهما كثر الاختلاف حولها ، وقال الناس فيها ما قالوا ؛ فإن مما لا خلاف فيه أن من تورع عنها استبرأ لدينه ، ولم يخاطر بماله0ومن تاجر فيها بفتوى عالم معتبر فلا ينكر عليه في ذلك، ولكن عليه الحذر من الفتنة بها ؛ إذ هي باب من فتنة المال عظيم، ومجال من مجالات الكسب والخسارة سريع ، يصبح صاحبها على حال، ويمسي على حال أخرى، فإن ربح فرح وشكر، وإن خسر سخط وضجر، لا يرحم سوقها في ضعيف ضعفه ، ولا يمهله حتى ينظر في أمره، من دخلها فماله ليس له حتى يخرجه منها رابحا أو خاسرا، فإن خرج رابحا لا يلبث فرحه إلا قليلا فترتفع مرة أخرى فيحزن لفوات الربح الجديد ، وإن خسر تربص لعلها تعود كما كانت، فتزداد خسارة إلى خسارتها حتى لا يجد من يشتريها منه ، فلا تمتع بأرباحها لما ربحت، ولا سلم من خسارتها إذ خسرت، كأن الواحد في سوقها يمد حبلا مطاطا يزداد طوله مع استمراره في شدِّه، وهو يعلم أنه منقطع لا محالة لكنه لا يدري متى ينقطع ، فلا سلم له حبله ، ولا توقف هو عن مَدِّه!! وليس للواحد فيها أمد يعلم أنه ينتهي إليه، بل تغريه وتغريه حتى يتملكه الطمع ، ويستبد به الجشع، فيصبح رقيقها، تملكه ولو كان هو مالكه ، ومن أَسَرَته فلا هنئ بنوم، ولا التذَّ بطعام، فهو منشغل البال، دائم التفكير، مضيع الحقوق، وكم من صلاة ضيعت لأجلها! وكم من حقوق للأهل والعيال أهدرت في سبيلها! وفي طريقها الطويل تهلك أنفس قبل أن تبلغ غايتها منها، ومن كانت هذه حاله معها فسلامته منها خير لنفسه ودينه وأهله.
ومن أبى إلا اقتحامها فعليه أن يستعين بالله تعالى عليها، ويستخيره فيها، ويتحرى أقربها إلى الحلال، وأكثرها سلامة من الإثم، ولو كان ربحها أقل من غيرها، فقليل الحلال خير من كثير الحرام.
وعليه ألا يخاطر بماله كله فيها، فضلا عن أن يحمل نفسه ما لا تطيق بقرض أو رهن أو نحوه، ومن الطمع المذموم أن يرهن شيئا تتعلق منافعه بغيره، كداره التي يسكنها أهله وولده فإنه إن خسر شُرِّدُوا منها، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يوصي الرجل بشطر ماله في أعمال البر؛ خشية أن يضيع الورثة بعد موته، فكيف بمن يعمل على إضاعتهم وهو حي فيجني عليهم بسبب طمعه وجشعه؟!
ولا يجوز له أن يتاجر فيما فيه مخاطرة بأموال لا يملكها وهو وصي عليها، كأموال اليتامى والأرامل والقاصرين ونحوهم، وكونه يسلم من أموال غيره مهما كانوا قريبين منه خيرا له من أن يخاطر بها، فإن ربحوا عزوا الربح إلى السوق، وإن خسروا نسبوا الخسارة إليه، ولا سيما إذا شارطهم على بعض أرباحها.
وكم من ضغائن وقعت، وقرابة قطعت بسبب ذلك! والناس في أغلبهم محبون ما دام يربحون، فإن خسروا أموالهم تأثروا وأبغضوا0
فإن سلم من ذلك كله، وتاجر ببعض ماله فيها، فلا يجعلها أكبر همه، ولا يصرف عليها جُلَّ وقته، بل يعطيها ما تستحق من الوقت والجهد والمتابعة بلا إفراط ولا تفريط، محافظا على الحقوق التي عليه لربه ولنفسه ووالديه وأسرته وقرابته، مُوطِّنا نفسه على الربح والخسارة ؛ فلا الربح يستخفه، ولا الخسارة تجزعه، وعليه ألا يصغي إلى الشائعات، أو يكون مصدرا من مصادرها، أو يسعى في بثها ونشرها0
ومن رأى من نفسه ضعفا شديدا تجاه المال، وأحس أن المال بدأ يتسرب من يده إلى قلبه، وعلامة ذلك: إضاعة الحقوق والواجبات لصالح الأسهم والشاشات، فعليه أن ينجو بنفسه قبل أن يَرِّقَّ دينه، أو تعتل صحته، ورقة دينه تسهل عليه تجاوز الحلال إلى الحرام، بتسويغات يقنع بها نفسه، وتأويلات يلتف بها على أحكام دينه0 ومن استحوذ المال على قلبه اعتلت صحته بسبب اضطراب أسواق الأسهم والمال، فكل خسارة توجد فيه علة ، وكل ربح يحدث فيه خفة ؛ حتى يفقد نشاطه وصحته، ولربما فقدته أسرته في قارعة من قارعات الأسهم0فلا استمتع بماله، ولا سلم من تبعته وإثمه، وكل امرئ أبصرُ بنفسه، وأدرى بكوامن قلبه، ومن بَلى نفسه واختبرها، وأيقن بضعفها أمام المال ، وتبين له أنها نزاعة إلى الطمع ، ولا تتحمل الصدمات الفجائية في سوق الأسهم، ولاسيما من كان مريضا بأمراض مزمنة تتأثر بالهمِّ والحزن فحرام عليه ثم حرام أن يهلك نفسه ويوبقها من أجل المال، وليسلك من التجارة مسلكا آخر؛ فذلك أتقى لربه، وأنقى لدينه، وأحفظ لنفسه0والغنى غنى النفس، والفقر فقرها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ) )رواه البخاري
أسأل الله تعالى أن يغنينا بحلاله عن حرامه ، وبطاعته عن معصيته ، وبفضله عمن سواه ، وأن يجعل غنانا في قلوبنا، إنه سميع مجيب0
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ،فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله؛ الخلقُ خلقُه، والملك ملكه، وإليه يرجع الأمر كله، نعمه على عباده تترى، وخيره وإحسانه إليهم لا يعد ولا يحصى؛ أحمده حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين .
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واشكروه ولا تكفروه ؛ فكم من نعمة أنزلها ! وكم من نقمة دفعها ! وكم من ضراء كشفها! لا تضيق بالعبد حال إلا أعقبه الله تعالى بعدها فرجا، وأوجد له منها مخرجا (( فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا ) ).
أيها الناس: المال عزيز على النفوس، يرتفع بزيادته أقوام ، ويسفل بخسارته آخرون، وهو سبب الجاه ، كما أن الجاه سببه؛ ولذا كان فقده شديد الوطأة على النفس، ولكن العاقل من يتمالك نفسه، ويقلل آثار خسارته ، فإن خسر ماله فلا يخسر دينه بجزعه، ولا يخسر أجره على مصابه بقلة صبره، بل الواجب عليه أن يصبر ويحتسب، وأن يوطن نفسه على الصبر عند الصدمة الأولى، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم0
فإن قابل مصيبته على خسارته بالرضى عن الله تعالى، فذلك أعلى المنازل، وأشرف المقامات.
روى أبو عمرو الكندي فقال: ( أغارت الروم على جواميس لبشير الطبري نحوا من أربع مئة جاموس فركبت معه أنا وابن له، فلقينا عبيده الذين كانت معهم الجواميس معهم عصيهم، فقالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس، فقال: وأنتم أيضاً اذهبوا معها فأنتم أحرار لوجه الله تعالى، فقال له ابنه: يا أبت أفقرتنا! قال: اسكت إن ربي اختبرني فأردت أن أزيده) .