فهرس الكتاب

الصفحة 9003 من 9994

• ثم إنهم إذا أتوا المعصية لا يصرون عليها، بل يسارعون إلى التوبة والاستغفار منها، ويظل إحساسهم بالتقصير يؤرقهم، ويغتمون، ويصيبهم الهم الكبير.

• وما دام هناك إحساس بالذنب، ولوم من النفس، وأرَق وهَم وغَم من المعصية؛ فتلك علامات خير، تدل على حياة القلب وإيمانه.

رابعاً: ما يجب على الداعية فعله إذا وقع في معصية:

1.أن يجتهد في الإقلاع عن هذا الذنب ولا يصر عليه، ويتوب إلى الله عز وجل، وقد وعد الله عزَّ وجلَّ بقبول توبة التائبين، وغفران ذنوب المسيئين.

2.ألا يستصغر هذا الذنب ولا يستهين به؛ يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا.

3.ألا يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه، فإنما ذلك يكون بسبب أمنه من مكر الله، وجهله بمكامن الغرور بالله.

4.ألا يرتكب المعصية أمام الناس؛ فإنه إذا فعل المعصية على أعين الناس الذين يعرفونه ويقتدون به، كبُر ذنبه وعظم، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ويل للعالم من الأتباع؛ يزل زلة فيرجع عنها، ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق، ولهذا السبب ضاعف الله عز وجل لنساء النبي صلى الله عليه وسلم عذابهن إذا أتين بفاحشة مبينة، كما ضاعف لهن أجرهن إذا قنتن لله وعملن صالحا، يقول عز وجل: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً) . [الأحزاب: 30- 32] .

5.أن يستر هذا الذنب أو العيب ولا يفشيه، ولا يتحدث به لأحد، حتى لا يحرك رغبة الشر ونوازع المعصية، ويعين الشيطان على السامع، أو من يصله هذا الكلام، وليس هذا من الرياء أو النفاق.

6.قد يخيِّل الشيطان للداعية أن في تحدثه بذنبه تواضعا وتحقيرا لنفسه؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه". [رواه البخاري] .

7.إن أرباب الحياء والأدب مع الله عز وجل، الذين يكتمون على أنفسهم، ولا يحدثون الناس بهفواتهم ويندمون عما حدث منهم من المعاصي، يقول عنهم صلى الله عليه وسلم:"إن الله يدْني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترْتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته". [رواه البخاري] .

8.يجب أن يدرك الداعية الأسباب التي تؤدي إلى وقوعه في المعصية، ويحاول تجنب هذه الأسباب مستقبلا، ولا يعرض نفسه لها فيفتح عليه بابًا للشيطان.

9.ينبغي ألا تنهار معنويات الداعية بسبب ما وقع فيه من معصية، ولا ينبغي له أبدًا العكوف على جَلْد ذاته وتحقيرها لأنَّها وقعت في ذنب. نعم هو داعية، ولكنه لم يكن أبدا ولن يكون مَلَكًا معصوما؛ إنه بشرٌ عاديٌّ من بني آدم، ممَّن كُتب عليهم الجهل والخطأ والنسيان.

10.إن الداعية إذا أذنب أو أخطأ، فلا ينبغي أن يقعده ذلك الذنب أو الخطأ، ويمنعه عن ممارسة الدعوة إلى الله عز وجل، بحجة أنه لم يعد أهلاً لها بعدما أذنب وأخطأ، فهذا باب من أبواب الشيطان يستدرج منه العبد.

11.إننا نعبد الله سبحانه، ولا نعبد الناس، وإذا أصلحنا ما بيننا وبينه سبحانه وتعالى، فإنه سيصلح ما بيننا وبين الناس.

12.على الداعية المبتلَى بالخطأ والذنب أن يتوجَّه إليه سبحانه وتعالى بالدعاء أن يُنسي الناس أخطاءه، ويصفِّي له قلوبهم، ويعلم أنه يتوب لله وليس للناس، ويهمّه رضاه هو سبحانه، وليس رضا الناس.

13.ولا ينبغي أن يدع الداعية نظرات الناس تخترق نفسيَّته وتؤثِّر فيها، بل عليه أن يواجهها بكل شجاعةٍ ويتجاهل معانيها، ويتكلم وتعامل بكل ثقة، فإن تجاوز الناس النظرات إلى التلميح بالكلام أو التصريح، فعليه أن يخبرهم بما ذكرناه من سريان الجهل والخطأ والنسيان على كل البشر، وأنَّه ليس هناك أحد معصوم، وليس عيبًا أن تقع في المعصية، ولكنَّ العيب هو الاستمرار عليها، وعدم التوبة والاستغفار منها.

خاتمة:

1.وجوب الحذر من الوقوع في المعاصي صغيرها وكبيرها؛ لأنَّ الناس ينظرون إلى أخطاء الدعاة بعدساتٍ مكبِّرَة.

2.عادةً ما يحدث بسبب سوء الفهم، أو خبث القصد أحياناً، أن يلصقوا تلك السقطات بكلِّ الدعاة، ثمَّ تنسحب تدريجيًّا على الدين ذاته، ويكون السبب في هذا هو هذا الداعية الذي سمح لهم بأن يطَّلعوا على هَنَّاته وسقطاته.

3.لذا كان رسل الله عزَّ وجلَّ وأنبياؤه يُختارون من أوساطٍ طاهرةٍ نقيَّة، لها ماضٍ ناصع البياض ومُشرِّف، حتى لا يجد أعداء الدعوة ما يشوِّهونها به من خلال ماضي هؤلاء أو واقعهم.

4.يتجلَّى الدليل على ذلك واضحً في شخص النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حيث كانت سيرته العطرة في قومه، وأخلاقيَّاته السامية، قبل البعثة وبعدها، كانت حائط صدٍّ أمام هجمات أعداء الدعوة، حيث لم يجدوا ما ينفُذوا منه لتشويه صورة الدعوة من خلال حاملها.

5.انظر إلى الحوار الذي دار بين هرقل قيصر الروم وأبي سفيان بن حرب قبل إسلامه حين دعاه هرقل ليسأله عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان ممَّا قاله هرقل:"وسألتك: هل كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فعرفت أنَّه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله".

6.ليأخذ الداعية نفسه بالعزيمة، متمثلاً قول الشاعر:

قد هيئوك لأمر لو فطنت له

فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا ؟!

لقد شاع منذ زمن خبر أوّل بعثة يابانيّة غادرت إلى الغرب لاكتساب المعرفة والتقنية، وتعلّم العلوم النافعة، والتي عاد أصحابها بلباس غربي وأفكار غربية، ولم يكتسبوا من المعرفة التي ابتُعثوا من أجلها إلا القليل، لانبهارهم الشديد بالحرية الغربية الزائفة ( الحرية البهيميّة ) ، فما كان من الحكومة اليابانيّة آنذاك إلا أن قامت بإعدامهم جميعاً في ميدان عام ليكونوا عبرة لغيرهم.. وما إن غادرت البعثة الثانية، حتى عاد أصحابها بالوجه الذي ذهبوا به، واللباس الذي اعتادوه.. عادوا وهم يحملون العلم والمعرفة، لم يلتفتوا إلى غيرها من العري والتفسّخ والانحلال.. وقد نتج عن هذه الشدّة والصرامة في المحافظة على القيم المحلّيّة والاعتزاز بها ـ على الرغم من وثنيتها ـ، ونبذ الانهزاميّة والتبعيّة للآخرين؛ هذا التقدّم الحضاري الهائل لليابان، فمن الذي ينكر جودة الصناعات اليابانية وتقنياتها، ودقّتها الفائقة، وتفوّقها على غيرها من الصناعات والتقنيات حتى الغربيّة، على الرغم مما أصابها من الدمار والخراب، وما تعانيه اليوم من الضغوط ؟.

ولكن، ما حالنا نحن ؟!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت