الكبائر والمعاصي, فضائل الأعمال
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الرياض
جامع الطريري
ملخص الخطبة
1.كل بني آدم خطاء.2. معرفة الله وأسمائه وصفاته سبب في علاج زلاتنا.3. دعوة لتدارك التفريط خاصة في موضوع الصلاة والزكاة.4. التفريط في الكسب الحلال والوقوع في الحرام.5. الوقوع في آفات اللسان.6. النظر الحرام.7. دعوة للتوبة والاستغفار.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها المؤمنون: اتقوا الله حق التقوى.
عباد الله: إن الله جل جلاله وتقدست أسماؤه يحب المنيبين من عباده، يحب الذين إذا فعلوا أمراً فيه مخالفة أو تفريط أو تضييع للواجب أنهم يرجعون إليه سريعاً وأنهم يقبلون على ربهم بتوبة وإنابة صالحة، فإن الله جل وعلا يحب التوابين ويحب المتطهرين، ونبيكم صلى الله عليه وسلم بين أن كل ابن آدم خطاء وقال فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام: (( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) ) [1] .
وذلك أن ابن آدم يغلبه ظلمه لنفسه، وربما غلبته شهوته وحبه للدنيا حتى ينصرف عن الآخرة ويقبل على دنيا دون نظر إلى ما ينفعه وإلى ما يصلح حاله وإلى ما يصلح حاله في المآل، وفي العاجل والآجل وهذا من ضعف البشر.
أيها المؤمنون: ما منا إلا وعنده غلط وعنده خطأ وربما عنده تضييع للواجبات وربما انتهاك للمحرمات، كل منا فيه تقصير بحسبه، كل منا تعرض له الغفلة بحسب حاله، كل منا له من التقصير ما له، يعرف ذلك من نفسه، وهل يجوز لنا أن نبقى على أخطائنا وعلى تقصيرنا وعلى إعراض كثير منا دون إصلاحٍ للأنفس ودون إصلاحٍ لما حولنا ودون أن يوطن المرء المسلم نفسه على طاعة الله فكلنا خطاء ولكن خير الخطائين التوابون.
ولهذا قال أهل العلم: أن علاج الغلط وإن علاج التفريط بالأوامر وإن علاج ارتكاب المنهيات يكون بأمور منها: أن يتعلم المرء ما يجب عليه وأن يعلم حق الله جل وعلا عليه، فإذا علم حق الله عليه وعلم ما يجب عليه تجاه ربه فإنه لن يعصي الله ولن يفرط في أمره إذ معرفة الله بأسمائه وصفاته تلين القلب وتحمل المرء على أن يجل الله جل وعلا ثم يلزم العمل الصالح، فإذا لزم العمل الصالح فإنه ييسر له أن يتجنب المحرمات وييسر ويوفق إلى الإقبال على الطاعات، ولا شك أنه لا يجوز أن يسترسل المرء مع هوى نفسه وأن يجتنب الطاعات وهو مأمور بإتيانها وأن يقبل على المناهي وهو مأمور بتركها، وهو مأمور بترك المنهيات والإقبال على الواجبات، إذ حق الله جل وعلا أعظم وأجل وأرفع من حق النفس، ولذلك كان واجباً علينا أن نسعى في إصلاح أنفسنا وأن نقبل على أن يتعرف كل منا على خطأ نفسه وعلى ما فيها من العيوب كي يصلحها، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيب الناس ثم إن من أسباب العلاج النافع ومن أسباب الإقبال على الله أن يرى المؤمن ما يقربه من جنات عدن، فيأتيه وهو محب لأننا إذا علمنا الثواب والعقاب حملنا ذلك على الإقبال على الطاعة وعن الابتعاد عن كل منهي عنه وإن لكل إعراض سبباً، وحق على المسلم أن يباعد نفسه عن أسباب الردى وعن أسباب الإعراض وعن أسباب ترك الإقبال على ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة.
عباد الله: منا المفرط في الصلاة، منا المفرط في ذلك الركن الأعظم، بل أعظم الأركان العملية في دين الإسلام، ألا وهو الصلاة، فربما أخرجها عن أوقاتها، وربما بعض منا لم يؤدها في المساجد مع الجماعة كما أمر الله جل وعلا وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يجب عليه أن يتفطن في أسباب ذلك، فإن كان لا يعلم فضل الصلاة وفضل أدائها في الجماعة فليتعرف إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي منها قوله: (( الصلاة إلى الصلاة مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) ) [2] ، ثم ليتعرف على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ) ) [3] ، يعني لو يعلم الناس ما في التبكير إلى الصف الأول والتبكير إلى الصلاة بعد سماع النداء من الأجر العظيم ثم لم يجدوا إلا أن يعملوا شركة ويتشاركوا فيما بينهم في ذلك الأجر ويزدحموا على الصف الأول لفعلوه، فإذا كان منا من يفرط في الصلاة فليراع نفسه بما جاء من فضل الصلاة وبأنها حق الله وبأنها واجب من واجبات الإسلام وركن من أركان الإسلام، ثم ليبتعد عن أسباب ترك الصلاة وعن أسباب التهاون بها من عدم أدائها مع الجماعة في المساجد فإن المرء إذا ترك الأسباب المفضية إلى غير الحق والهدى فإنه ييسر له أن يقبل على الخير والهدى وما فيه صلاحه.