سعيد بن يوسف شعلان
جدة
عمار بن ياسر
محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-محاسبة النفس قبل الشروع في العمل. 2- محاسبة النفس بعد أداء العمل. 3- مقامات أخرى لمحاسبة النفس. 4- مسائل يحاسب الإنسان بها نفسه في الدنيا قبل أن يسأله الله عنها يوم القيامة. 5- الحساب في الدنيا يخفف حساب الآخرة.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فما زلنا نعالج أيها الإخوة علاج القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه، وقد سبق لنا أن العلاج يكون بأمرين: بمحاسبة النفس ومخالفتها، وكان آخر ما مرّ بنا الكلام على فضيلة محاسبة النفس، ثم نقول اليوم وبالله التوفيق:
محاسبة النفس نوعان، نوع قبل العمل ونوع بعده.
فأما النوع الأول: فهو أن يقف العبد عند أول همِّه ومبدء إرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.
قال الحسن رحمه الله تعالى:"رحم الله عبدًا وقف عند همِّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر".
ولكن، كيف يكون محاسبة النفس قبل العمل؟ إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهَمّ به العبد وجب عليه أن يقف أولاً وينظر، هل ذلك العمل مقدور له أم غير مقدور ولا مستطاع؟ هل يستطيع فعله؟ هل يقدر عليه؟ فإن لم يكن مقدورًا له لم يقدم عليه، وإن كان مقدورًا له، وقف ثانية ونظر، هل فعله خير له من تركه؟ أم تركه خير له من فعله؟ فإن كان ترك العمل الذي همَّ به، وأراد أن يفعله -إن كان تركه- خيرٌ له من عمله لم يُقدم عليه، وإن كان فعله خير له من تركه وقف ثالثًا، ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله وثوابه؟ أم إرادة الجاه والثناء من المخلوق؟ ما الباعث على العمل؟ أراد به وجه الله واحتساب الثواب عنده. أم أراد الجاه والثناء والمال من المخلوق؟
فإن كان الباعث عليه إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق لم يقدم عليه, وإن أفضى به إلى مطلوبه، ينبغي عليه ألا يُقدم على العمل، وإن أفضى به إلى تحقيق مطلوبه ومبتغاه، لماذا؟ لئلا تعتاد النفس الشرك ويخف عليها العمل لغير الله تعالى، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لوجه الله تعالى حتى يصير أثقل شيء عليها، إذا اعتاد العبد العمل لغير وجه الله وتساهل في ذلك ثقل عليه العمل لله تعالى.
وإن كان الباعث على هذا العمل إرادة وجه الله تعالى وثوابه وقف رابعًا وأخيرًا، ونظر: هل هو مُعانٌ عليه وله أعوان وأنصار ينصرونه، إذا كان العمل محتاجًا إلى ذلك أم لا؟ إن كان ليس له أعوان أمسك عنه فإن النبي أمسك عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، فإن كان مُعانًا عليه فليقدم فإنه منصور، فلا يفوِّت النجاح إلاَّ من فَوّت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح، فهذه أربع مقامات، إذا حاسب العبد نفسه عليها قبل العمل تبين له ما يقدم عليه من العمل وما يحجم عنه، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورًا له ولا كل ما يكون مقدورًا له يكون فعله خير له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خير له من تركه يفعله لله، ولا كل ما يفعله لله يكون معانًا عليه.
وأمَّا النوع الثاني: فهو محاسبة النفس بعد العمل، إذا حاسبها قبل أن يعمل وانشرح صدره للعمل فقام به فينبغي عليه محاسبة نفسه بعد العمل أيضًا, لماذا؟ قد وفَّى المقامات التي ذكرت وحققها لماذا يطالب بالحساب بعد العمل مرة أخرى؟ لمصالح أخرى تتبين بعد المحاسبة، ومحاسبة النفس بعد العمل ثلاثة أنواع أحدها:
محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى: إذا فعل العبد طاعة فإنه ينبغي عليه أن يحاسب نفسه بعدها، هل قصَّر في هذه الطاعة أم وفى المقامات التي ينبغي مراعاتها من حق الله في الطاعة؟ وما هي المقامات؟ هي ستة:
الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة رسول الله في العمل، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله تعالى عليه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله.
يعني عليه أن يسأل نفسه بعد أداء الطاعة هل أخلص في العمل؟ ونصح لله في أداء هذا العمل؟ فخلّصه من الشوائب وخلّص من إرادة غير الله تعالى فيه، وهل تابع رسول الله فيه؟ بحيث يكون العمل خالصًا صوابًا، خالصًا لله، وصوابًا أي يتابعوا فيه رسول الله فلا يؤديه بالهوى إنما يقيده بمتابعة رسول الله .