حيث قال تعالى: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [ يوسف: 53 ] .
فهذه النفس إن لم تشغلها بطاعة الله شغلتك بالمعصية، وإن لم تلجمها بلجام التقوى شغلتك بالباطل، فالنفس كالطفل إن فطمت الطفل عن ثدي أمه انفطم، كذلك النفس إن فطمتها عن معصية الله وألجمتها بلجام الطاعة والتقوى انقادت.
فإن زلت نفسك لبشريتك ولضعفك فلست ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً فسرعان ما يدفعك إيمانك وعلمك بنفسك الأمارة إلى التوبة والأوبة والعودة إلى الله جل جلاله، وأنت على كل حال من الأحوال على طريق طاعة الكبير المتعال، وسيد الرجال محمد .
فحاسب نفسك الآن أيها الحبيب قبل أي عمل وبعد أي عمل صغر أم كبر
قبل العمل: اسأل النفس: لماذا أذهب؟ لماذا سأتكلم؟ لماذا أصمت؟ لماذا أحب؟ لماذا أبغض؟ لماذا أدخل؟ لماذا أخرج؟
وبعد العمل: هل كان العمل خالصاً لوجه الله؟! هل كان العمل موافقاً لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ العمل لابد أن يتحقق فيه شرطان. الشرط الأول: الإخلاص والشرط الثاني: أن يكون العمل على هدي النبي محمد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيَّب الله ثراه: إن دين الله الذي هو الإسلام مبنى على أصلين. الأول: أن تعبد الله وحده لا شريك له، والأصل الثاني: أن يعبد بما شرعه على لسان رسوله وهذان الأصلان الكبيران هما حقيقة قولنا نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله .
أيها المسلم إن كنت تريد حساباً يسيراً فحاسب نفسك محاسبة الشريك الشحيح فقد قال ميمون بن مهران:"لا يبلغ العبد درجة التقوى إلا إذا حاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح".
إياك إياك أن تغتر بطاعة، إياك إياك أن تغتر بعلم، كن دائماً على وَجَل فإن العبرة بالخواتيم.
فاسمع إلى من أضاءوا الدنيا بعلمهم وزهدهم وورعهم. هذه الصديقة بنت الصديق عائشة الطاهرة المبرأة من السماء، يسألها أحد المسلمين عن قول الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32] .
ما معناها يا أماه؟ قالت الصديقة: يا بني أما السابق بالخيرات فقوم سبقوا مع رسول الله وشهد لهم بالجنة، وأما المقتصد فقوم صاروا على دربه وماتوا على ذلك، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك.
يا سبحان الله. عائشة تقول ذلك!! ونحن نقول ومن منا لا يدخل الجنة وإن لم ندخلها نحن فمن يدخلها!!
عائشة لا تغتر بنسبها ولا بزواجها من النبي وهى التي بشرها النبي بالجنة، فهي تعرف حق المعرفة للنفس قدرها وخطرها.
و هاهو فاروق الأمة الذي حاكى أخلاق النبوة في إمارته. عمر الفاروق ينام على فراش الموت بعدما طعن فيدخل عليه ابن عباس فيثنى عليه الخير كله. فيقول عمر: والله إن المغرور من غررتموه وددت أن أخرج اليوم من الدنيا كفافاً لا ليّ ولا عليّ، والله لو أن لي ملأ الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه.
وهذا هو معاذ بن جبل حبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي قال له رسول الله والله إني أحبك يا معاذ!! لقد نام على فراش الموت بعد ما أصيب بطاعون الشام فقال لأصحابه: انظروا هل أصبح الصباح؟ هل أصبح الصباح؟ ثم بكى معاذ وقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار.
وهذا هو سفيان الثوري إمام الورع والحديث ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له: أبشر يا أبا عبد الله، إنك مُقْبِلُُ على من كنت ترجوه، وهو أرحم الراحمين.
فبكى سفيان وقال: أسألك بالله يا حماد أتظن أن مثلي ينجو من النار؟!
فيا أيها المسلم لا تغتر بعلم ولا تغتر بعمل وكن دائماً على وجلٍ. كما كان رسول الله وهو النبي الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فحاسب نفسك قبل أي عمل وبعد أي عمل، وحاسب نفسك على كل معصية، وحاسب نفسك على كل تقصير، وحاسب نفسك على كل تفريط.
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: يا أبا حازم مالنا نحب الدنيا ونكره الآخرة؟ فقال أبو حازم: لأنكم عَمَّرتُم دنياكم وَخَرَّبتُم أُخراكم وأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
فقال سليمان: فما لنا عند الله يا أبا حازم؟
قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله لتعلم مالك عند الله.
فقال سليمان: وأين أجد ذلك في كتاب الله؟
قال أبو حازم: عند قوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14] .
قال سليمان: أين رحمة الله؟
فقال أبو حازم: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف: 56 ] .
قال فكيف القدوم على الله غداً؟ قال أبو حازم: أما العبد المحسن فكالغائب يرجع إلى أهله وأما المسيء فكالعبد الآبق يرجع إلى مولاه.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
( [1] ) رواه مسلم رقم (2577) فى البر والصلة ، باب تحريم الظلم ، والترمذى رقم (2497) فى صفة القيامة .
( [2] ) رواه البخارى رقم (4487) فى التفسير، باب قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا، والترمذى رقم
(2965) في التفسير ، باب ومن سورة البقرة .
( [3] ) رواه الترمذى رقم (3350) فى التفسير ، باب ومن سورة إذا زلزلت .
( [4] ) رواه مسلم رقم (2969) فى الزهد .
( [5] ) رواه مسلم رقم (2687) كتاب الذكر والدعاء ، باب فضل الذكر والدعاء وابن ماجة رقم (3821) فى الأدب وهو في المسند رقم (21212) واللفظ له .
( [6] ) رواه الترمذى رقم (2912) فى ثواب القرآن ، باب ماجاء فيمن قرأ حرفاً من القرآن ماله من الأجر وصححه شيخنا الألبانى في المشكاة (2137) وهو في صحيح الجامع برقم (6469) .
( [7] ) رواه البخارى رقم (1894) فى الصوم ، باب فضل الصوم ، ومسلم رقم (1151) فى الصيام ، باب حفظ اللسان ، وباب فضل الصيام ، والموطأ (1/310) فى الصيام ، وأبو داود رقم (2363) فى الصوم ، والترمذى رقم (764) فى الصوم ، والنسائى (4/162،165) فى الصوم .
( [8] ) رواه مسلم رقم (190) فى الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ، والترمذى رقم (2599) فى صفة الجنة ، باب رقم (10) .
( [9] ) رواه البخارى رقم ( 103) فى العلم ،باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه ، ومسلم رقم (2876) فى الجنة باب اثبات الحساب، وأبو داود رقم (3093) فى الجنائز، باب عبادة النساء ، والترمذى رقم (2428) فى صفة القيامة ، باب من نوقش الحساب عذب 0
( [10] ) رواه البخارى رقم (7512) فى التوحيد ، باب كلام الرب عز وجل ومسلم رقم (1016) فى الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، والترمذى رقم (2427) فى صفة القيامة .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.. أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ الأمةَ، وكشف الله به الغمة ، جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته وصلى اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين...
أما بعد