فهرس الكتاب

الصفحة 9261 من 9994

أيها المؤمنون إن الناظر في أحوال كثيرٍ من الناس اليوم يرى ويشهد غياب هذه الخصلة عن جوانب عديدة من حياة الناس، فكم هم الذين تورطوا في الإسراف و التبذير في جميع الشؤون والأمور, إسراف في المآكل والمشارب , إسراف في الملابس والمراكب , إسراف في الشهوات و الملذات.

أيها المؤمنون إن الله جل و علا قد نهى عن الإسراف و التبذير في آيات كثيرة فقال تعالى: ?وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ? (13) . وقال جل ذكره: ?وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً? (14) . وقال سبحانه: ?وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً? (15) .

وقال تعالى: ?وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ? (16) . وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في الأمر كله فنهى عن الإسراف في المآكل والمشارب والألبسة بل ونهى عن الإسراف في الصدقات فقال صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: (( كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا من غير سرف ولا مخيلة ) ) (17) رواه أحمد وغيره بسند جيد وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في الوضوء ففي النسائي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: (( هكذا الوضوء فمن زاد عن هذا فقد أساء وتعدى وظلم ) ) (18) قال الإمام البخاري رحمه الله: كره أهل العلم الإسراف -فيه- أي في الوضوء -وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

عباد الله؛ إن الله جل وعلا أنعم عليكم نعماً عظيمة كثيرة ,فكان من ذلك أن أغناكم بعد فقر، وأطعمكم بعد جوع، وهداكم بعد ضلالة، وفتح لكم من أبواب الخير وسبل الرزق مالم يكن لكم على بال، فاشكروا الله تعالى على ذلك حق شكره واعلموا أن ذلك كله لا يغنيكم عن فضله ومنه.

أيها المؤمنون إن ما تصاب به النفوس عند الغنى وكثرة العرض ووفرة المال التجاوز والطغيان قال الله تعالى: ?كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى? (19) . وصدق الله العظيم فإنه لما فُتح علينا من الدنيا ما فتح وتوالى على كثير منا النعم اغتر فئام من الناس بهذا الطيف العارض والظل الزائل، فطغوا وتجاوزوا حدود الله تعالى فأسرفوا وبذروا وتخوضوا في مال الله بغير حق فظهر في حياة الناس مظاهر الإسراف والتبذير؛ فمن هذه المظاهر ومن تلك المعالم التي تورط فيها كثير من الناس اليوم الإسراف في المآكل والمشارب، فترى من الناس من يجتمع على مائدته من ألوان الطعام وصنوف الشراب ما يكفي الجماعة من الناس، ومع ذلك لا يأكل إلا القليل من هذا وذاك ثم يلقي باقيه في الفضلات والنفايات، فليت شعري أنسي هؤلاء المسرفون أم تناسوا أن من الناس أمماً يموتون جوعاً، لا يجدون ما يسدون به حرارة جوعهم ولظى عطشهم أم نسي هؤلاء قول الله تعالى: ?ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ? (20) .

قال ابن القيم رحمه الله: والنعيم المسؤول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه فيسأله عن شكره، ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه فيسأل عن مستخرجه ومصرفه.

أيها المؤمنون، إن من معالم التبذير في حياة الناس اليوم الإسراف في المراكب والملابس والمساكن فتجد أقواماً تحملوا الديون العظيمة وأرهقوا ذممهم وشغلوها ليحصل أحدهم على السيارة الفلانية أو الثوب الفلاني أو المسكن الفاخر و البيت الفاره، تكاثر وتفاخر، سفه في العقل، وضلال في الدين فإنا لله وإنا إليه راجعون.

أيها المؤمنون؛ إن من الإسراف المذموم ما يفعله كثير من حدثاء الأسنان أو سفهاء الأحلام من إضاعة الأوقات وتبديدها في الملاهي والملذات والشهوات فتجد الواحد من هؤلاء يصرف عمره وخاصة نشاطه وفكره ووقته في لهو ولعب وسهر وتسلية، لا في عمل دنيا ينتفع به ولا عمل آخرة ينجو به، غفلة وطيش، ضلال وزيغ، ضياع لمصالح المعاش، وذهاب لمصالح المعاد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله؛ إن من الإسراف والتبذير الإسراف في استخدام المرافق الحيوية التي تقوم عليها حياة الناس اليوم من ماء وكهرباء ونحو ذلك؛ فالماء الذي هو أرخص موجود وأعز مفقود يهدر بالكميات الكبيرة الهائلة بلا عتاب ولا حساب، وكأننا نعيش على ضفاف أنهار لا تتوقف وآبار لا تنضب، غفلة وإهمال، تبذير وإساءة استعمال، ولا شك أن الواقع المرير الذي نعيشه يخالف ما جاءت به شريعة أحكم الحاكمين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في الماء، ولو كان استعماله في عبادة فضلاً عن غيرها، فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا جميعاً رعاة ورعية على ترشيد هذا الأمر، فإن قلة المياه وشحها أحد التحديات الكبرى لكثير من دول العالم اليوم فإن لم نكن على وعي بهذا الأمر يوشك أن نقع فيما لا تحمد عقباه.

أيها الإخوة الكرام؛ أما الإسراف في الكهرباء فذاك أمر قلّ من ينجو منه فكم هم الذين يضعون في بيوتهم أو متاجرهم أو مجالسهم من الإضاءة أو التكييف ما يزيد على حاجة المكان وكم هم الذين لا يطفأ لهم نور في ليل أو نهار، فاتقوا الله أيها المؤمنون، فإن الله ورسوله ينهيانكم عن ذلك.

عباد الله إن من أعظم التبذير أن تستعمل المال الذي تفضل الله به عليك في معصية الله تعالى، فالله جل وعلا ينعم عليك ويتفضل وأنت تخالفه وتحاده قال الله تعالى: ?وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً? (21) . قال قتادة رحمه الله: التبذير هو النفقة في معصية الله وفي غير الحق وفي الفساد.

(1) الواقعة: 41- 45.

(2) أخرجه الحاكم في المستدرك برقم (7188) وصححه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً به.

(3) العلق: 6-7.

(4) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة برقم 1477 ومسلم في كتاب الأقضية برقم 593.

(5) أخرجه البخاري في فرض الخمس برقم 3118 وأحمد في المسند برقم 26773 من حديث خولة الأنصارية رضي الله عنها.

(6) غافر: 43.

(7) غافر: 28.

(8) الزخرف: 5.

(9) يونس: 12.

(10) الإسراء: 26- 27.

(11) الزمر: 53 - 54.

(12) الفرقان: 67.

(13) الأنعام: 141.

(14) الإسراء: 26- 27.

(15) الإسراء: 29.

(16) غافر: 43.

(17) أخرجه الحاكم في المستدرك برقم (7188) وصححه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً به.

(18) أخرجه النسائي في الطهارة برقم (140) وابن ماجه في الطهارة وسننها برقم 422 من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

(19) العلق: 6- 7.

(20) التكاثر: 8.

(21) الإسراء: 26- 27.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت