فلقد أخبرنا الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- بهذه النبوءةِ المستقبلة، قبل نيفٍ وثلاثة عشر قرناً، حينما لم يكن لليهودِ قوةً تُذكرُ في الأرض، وظلَّ اليهودُ في الضعفِ والتشتتِ منبثين في كلِّ أُمةٍ عبر قرون، ومرت هذه القرون، وظلَّ التاريخُ صامتاً لا يُحدثُنا بتحقيقِ نبوءةِ رسولِ الله- صلوات الله عليه-- حتى دخلَ القرنُ الرابع عشر الهجري، الذي بدأت فيه إنذاراتُ المعركةِ الفاصلةِ بين المسلمين واليهودِ تلوحُ، وفي أفقِ المستقبل، منذُ بدأت تطفو على سطحِ السياسةِ العالميةِ، ظواهرُ المؤامرات والدسائسَ اليهوديةِِ التي تجري في أعماقِ محيطاتها، وحينما أخذتِ الأحداثُ العالميةِ تُهيئُ لليهودِ هجرةً إلى قلبِ البلادِ الإسلامية، ليُنشئوا فيها الدولةَ النواة، لدولةٍ يهوديةٍ كبيرةٍ، ذات علوٍّ في الأرض، تطمعُ حشداً كبيراً من اليهود المنبثين في العالم، أن يهاجروا إليها، ويتخذوا في أرضها إقامةً لهم، مُدعَّمةً بالقوى المُسلحةِ التي تمدهم بها أممٌ ذات قوةٌ كُبرى في الأرض.
وقد كان من الأمورِ المُتحتمةِ لتحقيقِ النبوءةِ النبوية، أن يتفاقمُ أمر اليهود على المسلمين، وأن يتحقق لهم بعض الظفر الصوري في عدة معارك، وذلك لأمرين: هما: عقوبة المسلمين على انحرافهم عن صراط الله في عقيدتهم وعملهم وتأديبهم حتى يراجعوا دينهم ويصلحوا أعمالهم ويطهروا صفوفهم من أعدائهم.
ثانيهما: تيسيرُ السبل أمام أكبر قدرٍ من اليهود المقضي عليهم بحلولِ نقمة الله، بإغراءات الظفر المؤقت، ليهاجروا إلى موطنِ المعركةِ القادمة، حتى يلاقوا مصيرهم المنتظر، الذي هو قادمٌ لا محالةَ بإذن الله تحقيقاً من الله لنبوءة رسوله، ولا بُدَّ مع ذلك أن تجري الأحداثَ وفقَ سننِ الله الدائمةِ في كونه.
ولكن لن يُكتبَ الظفرُ الموعودُ به على لسانِ الرسول- صلوات الله عليه- ما دامت الأمةُ الموعودةُ به تسيرُ في متعرجاتٍ مظلمةٍ من الطرق، بعيدة عن صراط الإسلام في مفاهيمها الاعتقادية، وأنظمتها الاجتماعية، وسلوكها المجافي لتعاليمِ الإسلام، والعدو يعرفُ هذا، فلا يزالُ همُّه أن يبعدَ الشعوب الإسلامية عن عقائد الإسلام وتطبيقاته، ليطيلَ أمدَ بقائه.
ووعد الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالنصرِ لم يكن لقومٍ ضد قوم، ولا لعنصرٍ ضد عنصر، ولا لإلحادٍ ضد دينٍ محرفٍ مزيف، ولكنه وعدٌ للمسلمين ولن يتحقق هذا الوعدُ لمن لبسوا صفةً أخرى غير صفة الإسلام، ولن يكونَ هذا الظفرُ ظفرُ معركةٍ فحسب، ولكنَّه ظفرٌ شامل، ينكشفُ اليهودُ فيه داخلَ مُعظمِ مخابئهم، حتى تنزلَ فيهم عقوبةَ اللهِ على أيدي المسلمين الصادقين، ولن يفلت منهم إلاَّ قليل قليل، تقدر نسبتهُ بنسبة شجرِ الغر قد إلى سائرِ الأشجار والمخابئِ والحصون.
فمن تكونُ هذه الفئةُ التي تتبنى الإسلام بصدق، وتخوضُ المعركةَ بإخلاص، حتى تنال مجدُّ النصر على العدو الرابض في ديارنا ؟
طوبى لمن كان رائدُ هذه الفئة، طوبى لمن كان قائداً فيهما، طوبى لمن كان جندياً من جنودها، [8]
طوبى لمن شرفهُ الله بالجهادِ الحقِّ تحت رايةِ الإسلام الناصعة، بعيداً عن راياتِ الجاهلية، بعيداً عن المُزايدات السياسية، والخيانات المؤلمة، ودون جعجعةٍ إعلاميةٍ مُضللة.
(( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) ) (الرعد: من الآية17) [9] .
(1) د. مصطفى مسلم: معالم قرآنية في الصراع مع اليهود ص5.
(2) الحديث متفق عليه، البخاري كتاب المناقب4/ 175 ومسلم كتاب الفتن8/ 188، والمسند 2/ 67.
(3) الحديث رواه مسلم في صحيحه، انظر صحيح الجامع 6/ 317.
(4) الأنفال: 60،61 كذلك قرر صاحب المعالم القرآنية في الصراع مع اليهود ص 183،184
(5) د. مصطفى مسلم: معالم قرآنية في الصراع مع اليهود ص 27-29
(6) د. مصطفى مسلم: معالم قرآنية في الصراع مع اليهود ص27 - 29 .
(7) متفق عليه من حديث أبي هريرة
(8) الميداني: مكائد يهودية عبر التاريخ ص ا 41- 413.
(9) ا لرعد:17
الحمدُ لله الذي جلل عبادهُ بالضعف، أمرَ بالبر والتقوى ، وجعلَ جزاءَ الإحسانِ بالإحسان ، عَرف في الشدةِ واحتدامِ الكربِ من عرفهُ في الرخاء وخفضِ الحال ، يُعطي الكثيرَ على القليل، ويُؤمنَ الخائفَ الهارب إليه ، غنيٌّ عمن تناساه ، سريعُ الحساب.
أحمدهُ سُبحانه وأشكرهُ ، وأتوبُ إليهِ واستغفره ، وأشهدُ أن لاإلهَ إلاَّ الله، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) .
أمَّا بعد: فسُبحان من تفردَ بالبقاءِ حيٌّ لا يموت _ سُبحانهُ وتعالى _ واجبَ الوجودِ منزهٌ عن وعكِ السكرات قبل الممات، وعن مُعاناةِ ومُكابدة النهايات، تفنى الخلائقُ جمعاءَ بعد أن تستنفدَ ما كتب اللهُ لها ، وتتلقى الأقدارُ التي كتبها الديانُ برحمتهِ وحكمته، ثُمَّ تنتقلُ إلى حيثُ الحياةِ المُكتوبة، والمصيرِ المضروب، الكلُّ ماضٍ إلى ما قُدر له، إمَّا إلى جنةٍ أو نار، ( الملكُ والمملوك، الرئيسُ والمرؤوس، من كان معروفاً بفقرهِ إلى عفو الله، ومن كان فقيراً يومَ أن استغنى عن رحمةِ الله ) الكلُّ راحلٌ مُغادر، والله _ سُبحانه وتعالى _ معروفٌ موصوفٌ بما قال عن نفسهِ ، قرآناً أملاهُ الوحي على محمدٍ _ صلى الله عليه وسلم _ (( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ*وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ ) ) (الرحمن: 27,26) .
ولكن قبلَ أن تبردَ الأعضاءَ، وينتقلُ الجسمُ من الحركةِ إلى السكون، وحملهِ من شاهقِ القصورِ إلى ظُلمات القبور، وقبل أن يغمضَ العبدُ عينيهُ على آخر نظرةٍ له إلى هذه الحياة ، قبل أن يُشارَ إلى الإبنِ أنَّهُ يتيم، فقد أباه، وإلى الزوجةِ ثكلى قد رحلَ عنها زوجُها، وانقضت روحهُ إلى الله، وقبل أن يُعانق الأب، وتضم الأم، ويُقال: أحسن اللهُ العزاءَ، وجبرَ اللهُ المُصاب قبلَ أن تُزايلَ الحياةُ الأجساد، أي وربي، عباد الله: قبل أن يظفرَ هادمُ اللذاتِ بالروح منك.
يوم لا يُقرعُ باباً ، ولا يُهابُ حجاباً ، ولا يُقبلُ بديلاً ، ولا يُأخذُ كفيلاً ، ولا يُرحمُ صغيراً ، ولا يُوقرُ كبيراً، يظفرُ بالروحِ منك أنت أيَّها الإنسان .
إنَّها خاتمةُ المطاف، وملخصُ الحياةِ السالفة، النهايةُ المُنتظرةِ، ( كربٌ بيدِ سواكَ لا تدري متى يَغشاك ) .
إنَّها الخاتمةُ يا أُمة الإسلام:
التي طالما تسابقت دموعُ العارفين خوفاً منها، وضُمت الركبُ في المحاريب بين يدي الله تحسباً لها، الخاتمةُ كربٌ أشدُّ من ضربِ السيوف، ونشرٍ بالمناشير ؛ فالروحُ تنجذبُ ؛ لكلِّ عضوٍ سكرةٍ بعد سكرة ، وكربةٍ بعد كربة، فتنقطعُ الأنظارُ عن الدنيا، ويُغلقُ دونَ العبدِ باب الإجابةِ، وتحيطُ به الحسرةُ والندامة .
فما أهول تلك اللحظات، فما أهولَ تلك اللحظات .