فهرس الكتاب

الصفحة 8708 من 9994

أخوة الإيمان: وتأملوا في قولهِ تعالى: (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) ) (لأنفال: من الآية60) ، والآياتُ قبلها وبعدها، ولعلهُ من اللطائفِ القرآنيةِ الدقيقة، أن يأتي الأمرُ بإعدادِ القوةِ لإدخالِ الرعبِ والرهبةِ إلى قلوبِ الأعداءِ في سياقِ الحديثِ عن المعاهدات، ونقضِ اليهودِ لها في كلِّ مرة، فإنَّ المُعاهدةَ ليست سوى حبرٍ على ورق، لا أثرَ لها في الواقع، إن لم تكن مدعمةً بالقوةِ التي ترتعدُ لها فرائصُ العدو، كُلَّما فكَّرَ في نقضها أو إبطالِ مفعولها، وبعد الأمرُ بإعدادِ القوةِ الرهيبةِ يأتي الحديثُ عن السلم، لأنَّ السلمَ إن لم يكُن من موطنِ القوةِ والعزةِ فهو تنازلٌ للعدو، وخضوعٌ لشروطهِ، فيكونُ استسلاماً لا سلاماً.

اقرأ ذلك كلهُ في قولهِ تعالى: (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ) [4]

وليستشفوا من خلالِ الآياتِ القرآنيةِ، أنَّ المعركةَ معركة المنهجِ الرباني والصراطُ المستقيم ضدَّ المناهجِ البشريةِ الجاهليةِ المُحرِفة لشرعِ الله ووحيه، والساعيةِ للإفسادِ في أرضه!

هذا كلهُ فضلاً عن بناءِ الشخصيةِ الإسلاميةِ بناءً متميزاً بتوضيحِ الحقِّ، ورسمِ ملامحه، وفضحِ الباطلِ وكشفِ رموزه، ورغبةً في سدِّ الباب على المتقولين أنَّ محمداً أخذَ من اليهودِ ما احتاج إليه، ثُمَّ حسِدهُم وناصبهم العداءُ بعد الاحتكاكِ بهم، لو تأخرَ كشفُ باطلهم إلى الفترةِ المدنية.

كما أنَّ المؤمنَ قد أُعطى علاجاً وقائياً لما قد يتعرضُ لهُ عند الاطلاعِ على عقائدِ اليهود، وعندَ التعاملِ مع يهود [5] .

إخوة الإسلام:

هذه وتلك- أعني مزيدَ اهتمامِ القرآنِ باليهودِ في سوره وآياته، وتقدمَ الحديثُ عنهم في السورِ المكيةِ قبلَ أن يبدأ الاحتكاكُ معهم في المدينة، تلك معالمٌ قرآنية في الصراعِ مع اليهود، وهي تستدعي منَّا وقفةً مُتأنيةً مُتأملة، تدعونا إلى العلمِ بطبيعةِ هؤلاءِ اليهود، وتُعرفُنا بحجمِ المعركةِ بيننا وبينهم، ويجبُ أن تهدِينا إلى أخذِ الحذرِ والحيطةِ والاستعدادِ لهم بكلِّ ما أُوتينا من قوة، ولا يدري إلاَّ اللهُ من ذا الذي سيُسلطُ عليهم في الجولةِ التاليةِ وما بعدها إلى يومِ القيامة، وليس أصدقُ من كلامِ الرحمن: (( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ) ) (النساء: من الآية122) وليس أهدى من القرآن (( إن هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) ) (الإسراء: من الآية9) فهل يعي المسلمون حقائقَ القرآن، وهل يأخذوا بتوجيهاتهِ وأحكامه.

الخطبةُ الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، يُعزُّ من يشاءُ ويذلُ من يشاء، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريك له، يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يُريد، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ وخيرته من خلقه، بلَّغَ الرسالة، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأُمة، وتركها على المحجة البيضاء، لا يزيغُ عنها إلاَّ هالك، اللهمَّ صلِّ وسلم عليهِ وعلى سائرِ المنذرين.

أمَّا بعدُ أيَّها المسلمون: فإذا كانت هذهِ بعضُ معالمِ القرآنِ عن اليهود، فثمةُ معالمٌ أُخرى تكشفُ حقيقةَ وتاريخِ اليهود، وتبينُ عن جانبٍ من إعجازِ القرآن الكريم، وتحققُ نبوةَ النبي- صلى الله عليه وسلم- في هؤلاءِ الأقوام .

ومن هذهِ المعالم: نقضُ العهودِ والمواثيقُ من جبلتهم، والحرصُ على الحياةِ والتخاذلُ عند اللقاءِ طبعٌ فيهم، عداوتُهم للإنسانيةِ عامة، وللمؤمنينَ خاصة، وتسليطُ الشعوبِ والأُممِ عليهم كلَّما اشتدَّ فسادهم، والتفرقُ والشتاتُ والخلافُ ماضٍ في اليهود، إلى غير ذلك من معالمِ، أُرجأُ الحديث عنها إلى خطبةٍ لاحقةٍ بإذن الله. ويبقى السؤالُ المُهمُّ: متى يتحققُ وعدُ اللهِ الصادقِ في اليهود؟ وأستعجلُ الإجابةَ عليهِ قبلَ إكمالِ حقيقةَ اليهود، واستيفاءَ المعالمِ الأُخرى حتى تنشرحُ الصدور، ويذهبُ ركامُ اليأسِ والإحباطِ المسيطرَ على بعضِ القُلوب، وأرجو أنَّ ذلك داعياً ومهيئاً لاستكمالِ الحديث عنهم لاحقاً.

وأبدأُ إجابةَ السؤالِ بوقفةٍ إيمانيةٍ جميلة، لصاحبِ الظلالِ وهو يقفُ عند معنى تعالى (( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ) ) (لأعراف: من الآية167) .. الآية،

حيث قال سيد قُطب- رحمه الله-: ولقد يبدو أحياناً أنَّ اللعنةّ قد توقفت، وأنَّ يهودَ قد عزَّت واستطالت! وإن هي إلا فترةٌ عارضةٌ من الفتراتِ ولا يدري إلاَّ اللهُ من ذا الذي سيُسَلطُ عليهم في الجولةِ القادمة [6] .

ويقولُ صاحبُ كتابِ (مكائدَ يهوديةٍ عبرَ التاريخ) :

( في دوامةِ الأحداثِ الجسام، التي خطَّطَ لها اليهودُ في العالم، وعملوا على تنفيذها بما عُرف عنهم من مكرٍ وخُبثٍ ودهاء، وعملٍ دائبٍ في الظلامِ بعيداً عن الأنوارِ الكاشفة، ومع الظفرِ الذي حققوهُ في العالمِ لقسطٍ كبيرٍ من أهدافهم، ومع الأشواطِ التي قطعوها في مراحلِ سيرهم، لفرضِ سلطانهم على العالم، وضمنَ هذه الزوبعةَ التاريخيةِ التي مشت في صالحِ اليهوديةِ العالمية، وضدَّ المسلمين طُوالَ حُقبةٍ من الزمن، نجدُ الذين لا خبرةَ لهم بمُفاجآتِ الأحداثِ التاريخيةِ التي يُجريها اللهُ وفق سننهِ الدائمة، ولا الإيمانُ عندهم بما يقضيهِ الُله ويُقدره، كلَّما احلولكَ على الإنسانيةِ ليلُ الفسادِ المستشري، قد يُخيلُ إليهم أنَّ نجمَ اليهودِ سيظلُ في صعودِ مُطَّرد، حتى يُحققوا أحلامهمُ البعيدةِ دُونَ أن ينقلبَ عليهم ظهرُ المِجنِّ، ودونَ أنَّ تحلَّ بهم نقمةُ الله، ويبعثُ عليهم من يسُومَهم سُوء العذاب، جزاءَ ما اقترفوهُ من إثمِ الإفسادِ والتضليلِ في حقِّّ جميعِ الأُممِ والشعوب ) .

إنَّ هذه التخيلاتِ لا بُدَّ أن تتبدد في قلوبِ المؤمنين، ليحلَ محلَّها الثقة بعدلِ الله، والأملَ بنصرهِ المُبين لأوليائهِ على أعدائه، مهما طالت فترةُ الابتلاءِ، وامتدَّ أجلُ العقوبةِ الربانيةِ للمسلمين، الذين تنكبوا طريقَ الهدايةِ، واستجابوا لدُعاةِ الضلالِ، وتأثروا بزُخرفِ الحياةِ الدنيا وزينتها، ومظاهِرَها الفاتنة، فسلطَ اللهُ عليهم بذنوبهم أمةً طردها اللهُ من رحمته، وغضبَ عليها بسببِ ما كانَ منها من إثمٍ عظيم، وإفسادٍ في الأرض جسيم، تأديباً لهم وعظةً قاسية، حتى يصلحُوا نفوسهم، ويصححوا إسلامهم، وينظفوا صفوفهم من الدُخلاء فيهم.

ومتى حقق المسلمونَ الشروطَ الربانيةِ التي جعلها اللهُ أساساً لنيلهم تاجُ النصرِ على عدوهم، فتحَ اللهُ لهم مغاليقَ الأبواب، وهيَّأ لهم أفضلَ الوسائلِ و الأسباب، وحققَ لهم وعدَ رسولهِ في قولهِ- صلوات الله عليه-: (( لا تقومُ الساعةُ حتى يُقاتل المسلمون اليهود، وحتى يختبئُ اليهودي من وراءَ الحجر والشجرِ فيقولُ الحجرُ والشجر: يا مسلمُ هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلاَّ الغر قد، فإنه من شجرِ اليهود ) ) [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت