فهرس الكتاب

الصفحة 8707 من 9994

ويستمرُ الحديثُُ عنهم في نيفٍ وثمانين آية، وتتكررُ في أكثرِ من ثلثِ سورِ القرآن، وفي أولِّ سورةٍ (الفاتحة) والتي يكررُها المسلمون يومياً في كلِِّّ فريضةٍ من فرائضهم، ونوافلهم ما شاءَ الله، ("ولا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحةِِ الكتاب") في هذهِ السور يردُ البيانَ الإلهي عن انحراف اليهود والنصارى، ويلتجأُ المؤمنون إلى ربهم، ألا يسلكَ بهم سبيلهم: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) ) (الفاتحة:7) .

وأوَّلُ سورةٍ بعد الفاتحة تُسمى سورةُ البقرة، وهي بقرةُ بني إسرائيل، السورةُ الثالثة بآلِ عمران، وآلُ عمران أسرةً من أسرِ بني إسرائيل- وإن كانت تختلفُ عن بني إسرائيل في طاعتها وصدقها وعبادتها، ولذلك اصطفاها اللهُُ من بين من اصطفى: (( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ) (آل عمران:33) .

والسورةُ الرابعة تُسمى سورةُ المائدة، وهي المائدةُ التي طلبها بنُو إسرائيل، بل وخُصصت سورةٌ باسمهم هي سورةُ الإسراءِ التي تُسمى سورة (( بني إسرائيل ) )أيضاً.

وليسَ هُناك من نبيٍّ ورد التفصيلُ عنهُ أكثرَ من موسى- عليه السلام- مع اليهود، فما السرُّ وراءَ هذا التركيز والاهتمام؟ ألكثرتهم ؟ فقد كان اليهودُ ولا يزالون أقليةً في العالم لا يُؤبه لعددهم.

أم لأنَّ لهم كياناً معتبراً، ودولةً كبيرةً حين نزلَ القرآن؟ فالحقُّ أنَّهم ليسوا كذلك كما كان الفرسُ والروم وسائرُ الدولِ الوثنية الأخرى.

إذاً فما وراءَ هذا الاهتمام؟ قد يكونُ لكثرةِ تعنُّتهم، وشدةَ صبر أنبيائهم عليهم، فينهى المسلمون عن محاكاتهم، ويُسلي النبي ويصبر على ما يلقى من أذى وعناد قومه، قد يكونُ ذلك من أسرارِ هذا التكرار، وقد يكونُ السرُّ في ذلك أن كتابهم المنزلُ (التوراة) فيه من العقائدِ والأحكامِ ما ينشئُ أمةً ويكوِّن سلطةً ودولة، وكانت مواقفهم من هذهِ التشريعاتِ والأحكامِ مجالاً لبيانِ الحقِّ والصوابِ فيها، وقد يكونُ وراءَ ذلك جوارهم لمهبط الوحي، وشدةَ احتكاكهم بالعربِ والمسلمين.

كلُّ ذلك وغيرهِ واردٌ أن يكونَ وراءَ الاهتمامُ بهم بهذا القدر، وهُناك خلصَ إلى سببٍ آخر فوقَ ما ذكرَ واعتبره الأهم، ألا وهو: أنَّ الصراعَ بين اليهودِ والمسلمين سيبقى إلى يومِ القيامة، وكلمَّا خمدت جذوةُ الصراعِ في منطقةٍ أو في عصرٍ

من العصور، ستتجددُ في مكانٍ آخر، وفي أزمنةٍ متلاحقة، وفي صورٍ شتى، فلا غرابةَ إذاً أن يكثرَ الحديثُ عنهم، وأن يكشفَ القرآنُ أحوالهم [1] .

والمتأملُ في آياتِ القرآنِ الكريم، وأحاديثِ النبيِّ الكريم- عليه الصلاة والسلام- يجدُ ما يعضدُ ذلك، فاللهُ تعالى أخبرَ في كتابه أنَّ إشعالهم للحروب دائمة، وكذلك إفسادهم، ولكن الله تعالى تولى إخماد حربهم، وكرهِ إفسادهم: (( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) ) (المائدة: من الآية64) .

كما تكفلَّ اللهُُ تعالى ببعثِ جندٍ من جنده لتقليمِ أظافرِ اليهود، كلمَّا تطاولت إلى بومِ القيامة: (( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) (لأعراف:167) .

وأخبرَ اللهُ بني إسرائيل في الكتابِ الذي أُنزل عليهم أنَّهم سيُفسدون في الأرض مرتين، وسيُسلطُ عليهم من يجوسُ ديارهم، ويستبيحُ بيضتهم (( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ) ) (الاسراء:5) .

وسواءً كان المسلطُ عليهم في الأُولى جالوت أو بختنصر أو غيرهما، وفي الأُخرى محمدٌ- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أو غيرهم. فقد حكمَ اللهُ عليهم بالهزيمةِ في الدنيا متى عادوا للإفسادِ، مع ما يدخرهُ لهم في الآخرةِ من العذابِ والنكال: (( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) ) (الاسراء:8) .

هذا في القرآنِ وفي صحيح السنةِ أخبرَ المصطفى- صلى الله عليه وسلم- عن الملاحمِ التي تكونُ في آخرِ الزمان، ومن بينها الحربُ مع اليهود (( وأن الساعة لا تقوم حتى يقاتل المسلمون اليهود فينادي الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله إن خلفي يهودياً فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ) ) [2] .

وأخبرَ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- في حديثٍ آخر، أن اليهودَ يستمرُ خُبثهم، ويمتدُّ كفرهم حتى يكونوا من جندِ المسيح الدجال في آخرِ الزمان، يقولُ- عليه الصلاة والسلام-: (( يتبعُ الدجالُ من يهودِ أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة ) ) [3] .

والفرقُ كبيرٌ، والمسافةُ بعيدةً بين من يستعيذُ من فتنةِ الدجالِ كلِّ يومٍ عدة مرات، وبينَ من يكونُ من جندهِ وأتباعهِ حتى الممات؟ وإذا انتكست المفاهيمُ والقيمُ، وانطمست الحقائقُ فلا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله، ولا يغيرُ ذلك من الحقِّ شيئاً.

أخوة الإسلام:

إذاً هذه أُمةٌ هذا شأنها، وتلك بعضُ أخبارها في القرآنِ والسُنة، فلا عجبَ أن يهتم القرآنُ بذكرها.

بل ولعلَّ المُطَّلعُ في القرآنِ يعجبُ حين يلحظُ تقدمُ ذكرِ اليهودِ في القرآن، فلم يتأخرَ حديثُ القرآن عن اليهودِ إلى الفترةِ المدنيةِ، حيثُ جاوروا المسلمين وبدأَ الاحتكاكُ والعداءُ ينشبُ بينهم، وإنَّما تقدمَ الحديثُ عنهم في الفترةِ المكية، فلماذا كان الحديثُ عنهم في مكةَ ولم يكن لهم بها شأنٌ يذكر؟ وقد شُغل المسلمون بأذى كفَّارِ قريش وعداوتهم، ومع ذلك جاءَ الحديثُ عن معتقداتهم ومواقفهم مع أنبيائهم كما في سورتي الأعراف وطه المكيتين .

لو كان الأمرُ متروكاً للاجتهادِ البشري، لقيلَ أنَّ الأولى عدمُ التعرضِ لليهودِ في المرحلةِ المكية، لعدمِ كثرةِ اليهود في مكة، وعدمُ الاحتكاكِ مع المسلمين، ولا داعي لفتحِ هذهِ الجبهةِ والجبهةُ قائمةً لمجابهةِ المشركين، خاصة وأنَّ المسلمين كانوا مُستضعفين في مكة يخافون أن يتخطفهم الناسُ من حولهم ؟

أمَّا وإنَّ الوحي إلهي، والتخطيطُ للمعركةِ، وتحديدُ الجبهاتِ رباني، فلا شكَّ أنَّها لحكمةٍ عظيمةٍ وغاياتٍ كبيرة، ولعلَّ من أبرزِ هذه الحكم أن تعلمَ الأجيالُ الإسلاميةِ اللاحقةِ من آياتِ الكتابِ الحكيم، أنَّ معركةَ المسلمينَ مع اليهودِ معركةً مستمرةً بغضِّ النظرِ عن المواقعِ التي يحتلُها كلٌّ من الطرفين، قوةً وضعفاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت