فهرس الكتاب

الصفحة 6601 من 9994

#لكل شِرّة فترة

أمراض القلوب

سعود بن إبراهيم الشريم

مكة المكرمة

المسجد الحرام

ملخص الخطبة

1-أوبة المسلمين في رمضان وغفلتهم بعده. 2- مجاهدة النفس وحسن تربيتها. 3- خير الأعمال أدومها وإن قل. 4- التحذير من رذيلتي الإفراط والتفريط. 5- تقلب القلوب والثبات إنما يكون من الله. 6- دعوة للثبات على الطاعة بعد رمضان. 7- تحذير من أكور بعد الكور. 8- حالة الفتور عن العمل الصالح.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها الزمام والقوام، فتمسكوا بوثائقها، واعتصموا بحقائقها، ثم اعلموا إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تتناضل فيه المنايا، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمّر معمر منكم يوما من عمره، إلا بهدم آخر من أجله، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر، وقد مضت أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله؟! ألا فلا يستوحشن أحد في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل، ومن سلك الطريق الواضح دون فتور أو ملل ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه.

أيها الناس، إن شعور المسلم بالاستبشار والغبطة حينما يرى إقبال الناس على الله في رمضان، وما يقلّبه من بصره هنا وهناك تجاه أوجه البر والإحسان لدى الكثيرين من أهل الإسلام، ليأخذ العجب بلبه كل مأخذ، ولربما غلب السرور مآقي المترقب، فهتن دمع الفرح والإعجاب، لما يرى ويشاهد، إلا أن العيد وما يعقبه ليصدق ذلك الظن أو يكذبه، ومن ثم ينكص المعجب، وتشخص أحداقه، لما يرى من مظاهر التراجع والكسل والفتور، ومن ثم يوقن، أنه إنما مستسمنا ذا ورم.

وما يشاهده المرء في الأعياد في أقطار شتى، من الفرح غير المشروع، وتجاوز حدود الاعتدال فيه، على هيئة وصورة تنفيان كونهم من الخائفين على رد الأعمال الصالحة، أو من الشاكرين، لبلوغ هذا العيد الذي أكرمهم الله به، ومن ثم فإن الحال على ما ذكر كالتي نقضت عزلها من بعد قوة أنكاثا؛ لأن النفس البشرية لو كان عندها شغل بالخالق لما أحبت المزاحمة بما يسخطه إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد:25] . ولو أنهم أحبوا الطاعة، لما تخلوا عنها طرفة عين وقديما قيل: من عشق طريق اليمن، لم يلتفت إلى الشام.

ألا فاعلموا - يا رعاكم الله - أن من قارب الفتور والكسل، بعد عنه النصب والاجتهاد، ومن ادّعى الترويح أو التسلية وكل إلى نفسه، وإن من أحق الأشياء بالضبط والقهر والأطر على العبادة والاستقامة أطرا؛ هي نفسك التي بين جنبيك.

فإياك إياك ـ أيها المسلم ـ وأن تغتر بعزمك على ترك الهوى في رمضان، مقاربة الفتنة بعده، فإن الهوى مكايد، فكم من صنديد في غبار الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه، واذكر ـ حفظك الله ـ حمزة مع وحشي رضي الله عنهما.

من تعود الفتور والكسل، أو مال إلى الدعة والراحة، فقدْ فقدَ الراحة، وقد قيل في الحكمة: إن أردت ألا تتعب، فاتعب لئلا تتعب، ولا أدل على ذلك من وصية الباري جل وعلا لنبيه ومصطفاه فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح:7] ، لأن من كسل لم يؤد حقا، ومن ضجر لم يصبر على الحق، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

وليس في سياط التأديب للنفس أجود من سوط عزم، وإلا ونت وأبت؛ لأن فساد الأمر في التردد، والنفس ـ عباد الله ـ من أعجب الأشياء مجاهدة؛ لأن أقواما أطلقوها فيما تحب، فأوقعتهم فيما كرهوا، وآخرين بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها، وإنما الحازم من تعلمت منه نفسه الجدّ وحفظ الأصول، فإذا ما أفسح لها في مباح، لم تتجاسر أن تتعداه، لأن تفقد النفس حياة، وإغفالها لون من ألوان القتل صبرا.

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

إن الحياة الدنيا لا تخلو من عقوبة، ومن عاش لم يخل من المصيبة، وقل ما ينفعك عن عجيبة، وإن من أعظم العقوبات ـ عباد الله ـ عدم إحساس المعاقب بها، بل وأدهى من ذلك وأمرّ السرور بما هو عقوبة كالفرح بالتقصير بعد التمام، أو التمكن من الذنوب بعد الإقلاع عنها، ومن هذه حاله لا يفوز بطاعة، ولو غشَّى نفسه بعبادات موسمية ذات خداج، لوجد خفيّ العقوبة الرئيس، وهو سلب حلاوة النجاة، أو لذة التعبد، إلا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، من عباد رب الشهور كلها، بواطنهم كظواهرهم، شوالهم كرمضانهم، الناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، فأخلق بمدمن القرع منهم للأبواب أن يلج؛ لأنهم تغلبوا على طباعهم ذات الجواذب الكثيرة، ولذا فليس العجب أن يغلب الطبع، وإنما العجب أن يُغلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت