إعداد/ راشد بن عبد المعطي بن محفوظ
الحمد لله رب العالمين مالك
الملك، وملك يوم الدين، وصلاة وسلامًا دائمين على رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
فاستكمالاً لما بدأناه في الحلقة الأولى من موضوع جنائزنا اليوم بين هدي الشريعة والابتداع، وقد وقفنا فيه عند الحديث عن ضرورة وفاء دين المتوفى حتى لا يكون بينه وبين دخول الجنة مانع أو عائق، وكان ذلك انطلاقًا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه جابر بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهما.
ونقول بتوفيق اللَّه تعالى:
كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي اللَّه تعالى عنهم أحرص ما يكونون على عدم مخالفتهم هدي نبينا صلى الله عليه وسلم ، لذلك كانوا يوصون قبل موتهم أو في حال احتضارهم باجتناب مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي تعلموه منه، وعاهدوه على عدم مخالفة ما أمرهم به، ونذكر هنا بعضًا من وصايا هؤلاء الصحب الكرام لأهليهم وذويهم.
1-فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه عنهما؛ أن أباه قال في مرضه الذي مات فيه: «ألحدُوا لي لَحدًا، وانصبوا عليّ اللبن نصبًا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم » . أخرجه مسلم والبيهقي (3/407) وغيرهما.
«وعن حذيفة قال: إذا مِتُّ فلا تؤذنوا بي أحدًا فإني أخاف أن يكون نعيًا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي» . أخرجه الترمذي (2/129) وقال: حديث حسن.
ويستحب استحبابًا مؤكدًا أن يوصيهم (أي أهله) باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويؤكد العهد بذلك (1) .
ما يجب على من يعود مريضًا:
يجب على من يعود المريض؛ أن يدعو اللَّه له بالشفاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في
الحديث الصحيح من رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضًا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم رب العرش العظيم، أن يشفيك، إلا عافاه اللَّه من ذلك المرض» (2) .
وكذلك يجب على من عاد مريضًا أن لا يقول إلا خيرًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم رحمه اللَّه من حديث أم سلمة رضي اللَّه عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حضرتم المريض، أو الميت، فقولوا خيرًا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول اللَّه، إن أبا سلمة قد مات، قال: قولي: اللهم اغفر لي وله، واعْقِبني منه عُقبى حسنة» . قالت: فقلت: فأعقبني اللَّه من هو خيرٌ منه: محمد صلى الله عليه وسلم (3) .
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل: اللهم اشف عبدكَ فلانًا، ينكأ لك عدوًا (أي يقتل لك عدوًا من نكى في العدو نكاية: قتل وجرح) أو يمشي لك إلى الصلاة» . حديث حسن (4) .
هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل مع المريض.
فإذا ما أشرف المريض على الموت استوجب أمرًا آخر وهو التلقين.
تلقين المحتضر: لا إله إلا اللَّه أفرد الإمام مسلم رحمه اللَّه في صحيحه بابًا بعنوان: «باب تلقين الموتى: لا إله إلا الله» وبوَّب له البخاري رحمه اللَّه في صحيحه: باب في الجنائز: من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه، ففي صحيح مسلم رحمه اللَّه تعالى من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (5) .
وفي صحيح البخاري رحمه اللَّه ذكر أنه قيل لوهبٍ بن منبه أليس مفتاح الجنة لا إله إلا اللَّه ؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان
فُتح لك، وإلا لم يُفتح لك (6) .
وتلقين الميت شهادة أن لا إله إلا اللَّه أمرٌ عظيم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه، من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه عند الموت دخل الجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه» .
وكان يقول صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة» .
وفي حديث آخر: «من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (6) . أخرجه مسلم في صحيحه والزيادة في الحديث الأول عند ابن حبان (719 - موارد ) .
كيف نلقن موتانا الشهادة ؟
وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وإسماعها إياه، بل هو أمره بأن
يقولها خلافًا لما يظن البعض - ونحن نعلم أن الميت في حال احتضاره يكون في شدة ما بعدها شدة، وإبليس وجنوده من حوله يحولون بينه وبين النطق بالشهادة ولا يكون ذلك إلا بمساعدة من حول المحتضر ليساعده على النطق بها، ويا حبذا لو كان ذلك الذي يدعوه للنطق بالشهادة مِنْ أحب الناس إليه من أهله.
والدليل على ضرورة أمر المحتضر بالنطق بالشهادة حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من الأنصار، فقال: «يا خال؛ قل لا إله إلا اللَّه، فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا اللَّه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم» .
فإذا قالها المحتضر ولو مرة واحدة ولم يتكلم بعدها بكلام فإن هذا كفاية له، ويدخل بها الجنة بإذن ربه وعفوه وكرمه كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم رحمه اللَّه وأشرنا إليه آنفًا وفيه: «من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة» . [صحيح سنن أبي داود للألباني]
ما يجب على أهل الميت بعد موته ؟!
الصبر والتسليم.
بوّب البخاري رحمه اللَّه باب الصبر عند الصدمة الأولى، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نِعْم العِدْلانِ ونِعْمَ العِلاوة: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (فتح الباري 3/205) [البقرة: 156، 157] .
وقال ابن حجر رحمه اللَّه في شرحه على هذا الأثر: وظهر بهذا مراد عمر بالعدلين والعلاوة، وأن العدلين: الصلاة والرحمة، والعِلاوة: الاهتداء.
قال: مَرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: «اتقي اللَّه واصبري» . فقالت: إليك عني، فإنك لم تُصب بمصيبتي، فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت: يا رسول اللَّه، إني لم أعرفك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصبر
عند أول الصدمة». [البخاري 3/115، 116]
والأمر الآخر مما يجب على الأقارب:
الاسترجاع، وهو أن يقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون» كما جاء في الآية المتقدمة ويزيد عليه قوله: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها» لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره اللَّه: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها» . قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أولُ بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ثم إني قلتها، فأخلف اللَّه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم . [أخرجه مسلم (3/37) ]
هذا وبالله التوفيق والحمد لله أولاً وأخيرًا.
(1) أحكام الجنائز وبدعها.
(2) صحيح الجامع الصغير
(2/1092) ح6388).
(3) صحيح مسلم (6/197) ؛ (919) .
(4) صحيح الجامع الصغير
(5) صحيح مسلم - نووي (7/194) .
(6) فتح الباري (3/131) .
(7) أحكام
الجنائز وبدعها (10) .
(8) فتح الباري (3/132) .
(9) أحكام الجنائز وبدعها (22،23) .