فهرس الكتاب

الصفحة 2409 من 9994

#التواضع وذم الكبر

أمراض القلوب, الشمائل, مكارم الأخلاق

بندر بن خلف العتيبي

الدمام

أبو بكر الصديق

ملخص الخطبة

1-الكبرياء صفة لا تنبغي إلا لله. 2-صور من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم. 3-فضل التواضع وذم الكبر.

الخطبة الأولى

أيها الناس: قال لي صاحبي وهو مهموم لماذا لا تتحدث عن التواضع وذم الكبر، فإنني أرى في بعض القوم كبراً وتيهاً ظاهراً لا يخفى على من له أدنى بصيرةٌ.

قلت: إي والله: وقد رأيت ما رأى صاحبي أمراً ظاهراً جلياً، ولخطورة هذا الأمر البالغة ولتعلقه بالتوحيد نتحدث فيه، لأن من نبذ خلق التواضع وتعالى وتكَبَّر إنما هو في الحقيقة معتد على مقام الألوهية لأن الكبرياء والعظمة لله وحده، ولا يجوز للعبد أن يتصف بهما أو بأحدهما، فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (( الكبرياءُ ردائي والعظمةُ إزاري. فمن نازعني واحداً منهما ألقيتُه في جهنم ) )فليسَ بغريب إذاً أن نجد التواضع من سيماء الصالحين. ومن أخص خصال المؤمنين المتقين ومن كريم سجايا العاملين.

قال الله تعالى: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] . وقال الله لنبيه والخطاب عام له ولأمته: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقال تعالى: وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى الأرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18] . وقال جل وعلا: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ [غافر:35] . في آيات كثيرة جداً في كتاب اللهِ العظيمِ.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه اللهُ ) ).

الله أكبر: إن المتواضع يرفع الله سبحانه وتعالى منزلته ومكانه وقدره فطوبى للمتواضعين.

إخواني يا من تحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا من تعتقدون أن لا سعادة ولا عزة ولا طريق إلى الجنة إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا بأن تكون محبته مقدمة على كل محبوب من البشر.

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] .

إنه سيد ولد آدم. ليس فوقه أحد من البشر - حاشاه صلى الله عليه وسلم - إنه أحب الخلق إلى الله وأعظمهم جاهاً وقدراً عند رب العالمين. إنه صاحب الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة، منزلةٌ واحدةٌ ليست إلا له صلى الله عليه وسلم. إن الأرض ما وطئ عليها ولن يطأ عليها إلى يوم القيامة أكرم ولا أجل ولا أرفع منه صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك تأمل أخي المؤمن إلى تواضعه العجيب صلى الله عليه وسلم.

عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغبر بطنه يقول: ((

ولا تصدقنا ولا صلينا والله لولا الله ما اهتدينا

وثبت الأقدام إن لا قينا فأنزلن سكينة علينا

إذا أرادوا فتنة أبينا إن الأُلى قد بغوا علينا

ويرفع بها صوته: أبينا، أبينا )) .

رعيه الغنم وتحدثه بذلك:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما بعث الله نبينا إلا وقد رعى الغنم وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط ) )قال أهل العلم: رعى الغنم وظيفة ارتضاها الله لأنبيائه.

فما السر في ممارسة الأنبياء لها؟

قالوا: إن من أسرارها أنها تربي النفوس على التواضع وتزيد الخضوع لله تعالى. ومن أسرارها أنها تربي على الصبر وتحمل المشاق إلى حكم كثيرة وهو الحكيم العليم.

وأيضاً تواضعه مع الضعفاء والأرامل والمساكين والصبيان.

عن سهل بن حنيف رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم ) )يأتي ضعفاء المسلمين. فلم تشغله النبوة عن ذلك. ولم تمنعه مسؤولية أمته، ولا كثرة الارتباطات والأعمال: أن يجعل للضعفاء والمرضى نصيباً من الزيارة والعبادة واللقاء.

فأين أنتم يا أصحاب الجاه والسلطان من هذا الخلق العظيم؟ أين أنتم أيها الأغنياء من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم.

إذا أردتم حلاوة الإيمان أن تطعموها. فهذا هو السبيل إليها فلا تخطئوه.

أيها المسلمون: كان صلى الله عليه وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم. وفي رواية: (( كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم ) ).

إنك ترى - في عصرنا هذا - من يترفع عن المتقين من الرجال فكيف يكون شأنه مع الصبيان والصغار؟

إنك لتجد بعض ضعفاء الإيمان يأنف أن يسلم على من يرى أنه أقل منه درجة أو منصباً، ولعل ما بينهما عند الله كما بين السماء والأرض!

ألا فليعلم أولئك أنهم على غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت