الحمد لله الذي تفردِ بالعزةِ والكمالِ والكبرياء، وأشهدُ أنَّ لا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، من لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله، سيد ولد آدم، وقدوةُ الخلقِ في الشجاعةِ والإباء- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهدية- إلى يوم الجزاءِ وسلم تسليما.
أمَّا بعد:
فيا من رضيَ بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، اتق الله:
(( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) ). (الأحزاب:48)
إيمانٌ وثبات ، عزيمةٌ وإصرار ، عزةٌ واستعلاء ، تضحيةٌ وفداء، صدقٌ في الالتجاء ، توكلٌ على ربِّ الأرضِ والسماء، واستعدادٌ دائم للقاء، مع شموخٍ وإباء.
ثباتٌ على الثوابت ، لا تنازلاتٍ لا مساولات ، لا تراجعَ عن المبادئِ ولا ضعفَ ولا خور ، لا ذلةَ حتى مع القلة .
كانت هذه سياسةُ الهادي- صلى الله عليه وسلم- وصحبه في مواجهةِ التحديات، وكان هذا موقفهم أما التهديداتِ والضغوطات .
حينما انتهت غزوةُ أحد، مخلفةً نكسةً مؤلمةً في صفوفِ المسلمين، حيثُ قُتل سبعونَ من كبارهم وخيارهم، وفيها جُرح الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- ، وكُسرت رباعيتهُ، وشُجَّ وجههُ، وأدميَ عقباه، وكانت درساً عظيماً للمسلمين في السمعِ والطاعة، والعبدِ عن المطامعِ الدنيوية، وكان ذلك في الخامسِ عشر من شوال، من السنة الثانية .
وبعد رجوعِ جيش المشركين من أحد، تلاقوا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئاً ، أصبتهم شوكتهم، ثمَّ تركتموهم وقد بقي فيهم رؤوسٌ يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شوكتهم ، فلما بلغ ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمر بالمسير بلقائهم، وفي يومِ الأحد السادس عشر من شهرِ شوال، ناد ى مُنادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الناس قائلاً: لا يخرجنَّ معنا أحد إلا أحدٌ حضر يومنا بالأمس، وخرجَ المسلمون رغمَ إصابة الكثيرينَ منهم بالجراح، حتى إنَّ رجلاً من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً فيقول: شهدتُ أحداً مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنا وأخٍ لي فرجعنا جريحين، فلمَّا أذَّن مُؤذنُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالخروجِ في طلبِ العدو، قُلتُ لأخي أو قال لي: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، واللهِ ما لنا من دآبةٍ نركبها، وما منَّا إلاَّ جريحٌ ثقيل، فخرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وكنتُ أيسرُ جرحاً، فكان إذا غلبَ حملتهُ عصبةً ومشى عصبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى المسلمون .
وسارَ الجيشُ إلى حمراءِ الأسد، فأقام بها ثلاثةَ أيام، وأوقدوا هُناك نيراناً عظيمة ، حتى ترى من المكانِ البعيدِ وتُوهمُ بكثرتهم، فأدخلَ اللهُ بذلك رُعباً عظيماً في قلوبِ المشركين، وهبُّوا مسرعين عائدين إلى مكة، وانصرف رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- عائداً بجيشهِ إلى المدينة المنورة .
وفي هذه الغزوة نزلَ قولَ الحق: (( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ) (آل عمران:172) .
إنَّهم أولئك الذين دعاهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى الخروجِ معهُ كرةً أخرى، غداةَ المعركة المريرة، وهم مثخنونَ بالجراح، وهم ناجونَ بشقِّ الأنفس، والموتُ أمسَ في المعركة ، وهم لم ينسوا بعد هولَ المعركةِ ومرارةَ الهزيمةِ، وشدةَ الكرب، وقد فقدوا من أعزَّائهم من فقدوا، فقلَّ عددهم فوق ما هُم مثخنون بالجراح ، ولكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دعاهم ودعاهم وحدهم، فاستجابوا من بعدِ ما أصابهم القرح، ونزل بهم الضرُّ وأثخنهم الجراح.
إنَّ من أصعبِ الأُمورِ قيادةَ الأممِ عقبَ الهزائم الكبيرة، والأصعبُ من ذلك قيادةُ الدعوات بعد الانكساراتِ الخطيرة ، وإن كان الرجالُ يستسهلون الصعب، ويصابرون الأيامَ حتى يجتازوا الأزمات، ولكن هذه الغزوةُ أثبتت قدرةَ المسلمين، بقيادة الرسول- صلى الله عليه وسلم- على تجاوزِ الصعاب، وتحدي المحن، كما أنَّها أثبتت المميزات القياديةِ الفذَّة، التي يتمتعُ بها رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم.
لقد أراد رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- بهذه الخطوةِ ألاَّ يكونَ أخرَ ما تنضمُ إليه جوانحُ المسلمين ومشاعرهم هو شعورُ الهزيمةِ وآلامِ البر ح والقرح . فاستنهضهم لمتابعةِ قريشٍ وتعقبها، كي يقرَّ في أخلا دِهم أنَّها تجربة وابتلاء، وليست نهايةُ المطاف، وأنَّهم بعد ذلك أقوياء ، وأن خصومهم المنتصرين ضُعفاء، إنَّما هي واحدةٌ وتمضي، ولهمُ الكرة عليهم متى نفضوا عنهم الضعفَ والفشل، واستجابوا لدعوةِ الله والرسول- صلى الله عليه وسلم .
ومن جانبٍ آخر أرادَ أن لا تمضي قريشٌ وفي جوانحها ومشاعرها أخيلية النصر ومذاقتهِ، فمضى خلفهم بالبقية الباقيةِ ليُشعر قريشاً أنَّها لم تنل من المسلمين منالاً .
وفي جانبٍ أكبر أرادَ أن يُشعرَ المسلمين وأن يُشعر الدنيا كلها من ورائهم، بقيامِ حقيقةٍ جديدة ، وُجدت في هذه الأرض ، حقيقةَ أنَّ هُناك عقيدة، هي كلُّ شيءٍ في نفوسِ أصحابها، ليس لهم إربٌ في الدنيا غيرها، ولا يستبقون لأنفسهم بقيةً في أنفسهم، لا يبذلونها ولا يقدمونها فداها .
ولم يكن أقوى في التعبيرِ عن وجودِ هذه الحقيقةِ من خروجِ هؤلاءِ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ومن خروجهم بهذهِ الصورةِ الناصعةِ الرائعة الهائلة، صورةَ التوكلِ على الله وحده، وعدم المبالاةِ بمقالةِ الناس ، وتخويفهم لهم من جمعِ قريش، (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ) (آل عمران:173) .
وهكذا يقفُ المسلمون الصادقون في وجهِ كل التحديات التهديدات ، وهكذا يُقابلون أنواعَ التخويفِ وصنوف الاستفزاز ، إنَّهُ بالإيمانِ بالله والتوكل عليه، فبالإيمان والتوكل يحصلُ الإقدامُ والشجاعة، ويتحققُ الثباتُ على الحقِّ والطمأنينة
بالتوكل على الله، واجه نوحٌ قومه (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ) ) (يونس: من الآية71) وبالتوكل تصدَّى هودٌ لقومه وتحدَّاهم قائلاً: (( أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) )* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ )) (هود:55,54) .
إنَّ الإنسانَ ليدهشُ لرجلٍ فردٍ يواجهُ قوماً غلاظاً شداداً حمقى ، يدهشُ الرجل يواجهُ هؤلاءِ القوم الواثقين بآلهتهم المفتراةُ هذه الثقة، فيسفِّه عقيدتهم، ويقرعُهم عليها ويُؤنبهم، ثم يهيجُ ضر واتهم بالتحدِّي، لا يطلبُ مهلةً ليستعدَّ استعدادهم، ولا يدعُهم يتريثون فيطفأَ غضبهم .
إنَّ الإنسانَ ليدهشُ لرجلٍ فردٍ يقتحمُ هذا الاقتحام على قومه، غلاظاً شداداً ، ولكن الدهشةَ تزولُ عند ما يتدبرُ العواملَ والأسباب، إنَّه الإيمانُ بالله والثقةُ بوعدا لله، والاطمئنانُ إلى نصره ، الإيمانُ الذي يخالطُ القلبَ، فإذا وعد اللهُ النصرَ حقيقةً ملموسةً في هذا القلبِ لا يشكُّ فيها لحظة، لأنَّها ملءُ يديه وملءُ القلب الذي بين جنبيه .