فهرس الكتاب

الصفحة 9658 من 9994

(5) أخرجه البخاري في الأدب ( رقم 5985 ) ومسلم في البر والصلة ( رقم 2557) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .

(6) أخرجه مسلم في البر والصلة ( رقم 2548 ) .

(7) أخرجه البخاري في الأدب ( رقم 5991 ) .

(8) أخرجه مسلم في البر والصلة ( رقم 2558 ) .

(9) فصلت: 34.

(10) محمد:22-23.

(11) الرعد:25.

(12) أخرجه البخاري في الأدب ( رقم 5987 ) ومسلم في البر والصلة ( رقم 2554) .

(13) أخرجه البخاري في الأدب ( رقم 5984 ) ومسلم في البر والصلة ( رقم 2556) واللفظ لمسلم.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن من أهم ركائز بناء الأمم والمجتمعات التربيةَ والتعليمَ إذ بهما تصاغ الأمم والأجيالُ وعليهما تقام الحضارات وتبنى المجتمعات وتقوّم الأخلاق و تُزكى النفوس وتوضح الأهداف وتجنى الغايات، وقد كانت الأمةُ قبلَ مبعث النبي صلى الله عليه وسلم تعيش في دياجير الجهالة والظلمات وتسودها الخرافةُ والشقاواتُ ليس لها غاية ولا هدف، أمةٌ ضائعةٌ غائبةٌ في جاهلية جهلاء تطحنها العصبيات وتمزقها النعرات والحميات، وتعشعش فيها الخزعبلات والوثنيات وتسحقها الطبقيات والعنصريات، ليس لها في واقع الأمم تأثير ولا أثر، ممقوتة من الله خالق البشر، ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ) ) (1) . فبعث الله برحمته وفضله النعمة المسداة محمداً صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور قال تعالى: ?لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ? (2) فجاء صلى الله عليه وسلم مزكياً مربياً ومعلماً مصلحاً فجاهد صلى الله عليه وسلم لتحقيق هذه الغاية أعظم الجهاد وبذل النفس والنفيس حتى تحقق له ما يريد، فربى أصحابه رضي الله عنهم أكمل التربية وعلّمهم أحسن التعليم فكانوا جيلاً فريداً لا نظير له ولا مثيل قال الله تعالى: ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ? (3) ، وغدوا سادة الأمم وأئمةَ العالم وصنّاعَ القرار فيه فدانت لهم الممالك الكبار وأذعنت، في فترة وجيزة من التاريخ فانهد ملك كسرى، وانثلم ملك قيصر، ودخل الناس في دين الله أفواجاً فسبحان الله العظيم والحمد لله رب العالمين.

أيها المؤمنون إن هذا التحول الكبير والنجاح العظيم الذي حققه صلى الله عليه وسلم في صناعة الأمم والأجيال حتى ارتفعت الأمة من السفوح إلى قمم الجبال كان نتيجة منهج تربوي تعليمي دعوي رصين، له معالمهُ وسماتهُ، وهو بلسم ودواء أصيل لما نزل بالأمة من انحدار وانكسار وذلةٍ وهوانٍ، فعلى الدعاةِ وأهل التربية و التعليم أن يتأملوا منهج النبي صلى الله عليه وسلم، وطريقته في تربيته وتعليمه ودعوته، ويدرسوا هذا المنهجَ دراسة متأنية متفحصة لتحديد معالمِه واستنباط سماتهِ وخصائصه فلن يصلحَ آخرُ هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وإليكم أيها الإخوةُ هذه المعالمَ السماتِ:

فمن سمات هذا المنهج الرباني تعبيدُ الناس لله تعالى وتحريرُهم من كل ما يخدش عبوديتهم لله سبحانه وهذه سمةٌ مشتركة بين الرسل جميعاً قال الله تعالى: ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ? (4) فلُب دعوة الرسل جميعاً تعبيدُ الخلق لله تعالى وهذه السمة تحقق الغاية من الخلق وتلبي نداء الفطرة قال الله تعالى: ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? (5) وقال صلى الله عليه وسلم: (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ) (6) متفق عليه الفطرة هي توحيد الله تعالى بالعبادة وغياب هذه السمة من المناهج التعليمية والتربوية يؤدي إلى اختلالِ الموازين واضطرابِ المفاهيم وتحطيمِ الطاقات البشرية ومصادمةِ الفطر الإنسانية وذهابِ الفضائل والمثل والقيم.

ومن سمات هذا المنهج النبوي تربيةُ الناس على تصحيح وتصفية المقاصد خاصة إذا كان العلم علماً شرعياً دينياً فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من تعلم علماً يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة ) ) (7) أي ريحها أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما بسند جيد. أما العلوم الدنيوية فإن استحضار النية الصالحة والقصد الحسن من سد حوائج الأمة أو تعفها أو غير ذلك سببٌ يحصل به الأجرُ من الله تعالى والعونُ والتوفيق إذ النية الصالحة من الإحسان والتقوى وقد قال تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ? (8) ولا يستوي هذا مع من جعل التربية والتعليم سلماً يرتقى به إلى المناصب الوظيفية أو المراكز الاجتماعية أو جعلها طريقاً لبناء الأمجاد الشخصية والمكاسب الذاتية. فلا شك أن هذه النيات الرخيصة تؤثر على العمل التربوي والتعليمي تأثيراً بالغ السوء فليس الخليّ كالشجيّ.

ومن سمات المنهج الرباني ربط العلم بالعمل، فالعلمُ شجرة والعملُ ثمرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه العلم والعمل، فالعلم بلا عمل حجة على صاحبه

إذا لم يزد علمُ الفتى قلبَه هدىً وسيرتَه عدلاً وأخلاقه حسنا

فبشره أن الله أولاه نعمة يساء بها مثل الذي عبد الوَثْنا

أيها المؤمنون إن مما يجذّر انفصام َ العلم عن العمل، ويؤصلُه هذا التناقضَ الذي يعيشه كثير من المتعلمين حيث إن ما يتلقونه يخالف ويضاد كثيراً مما يلمسونه ويرونه بل ويعايشونه ويمارسونه في الحياة الاجتماعية ومن أمثله ذلك أن دور العلم وصروحَه تُعلم بأن الكذبَ رذيلةٌ وإثمٌ، ثم إننا نسمع من بعض وسائل الإعلام أن الكذبَ ألوان وأشكال يختلف حكمه باختلاف لونِه وشكلهِ، ونتعلم أيضاً أن لا سبيل للاتصال بين الذكور والإناث إلا من خلال النكاح الشرعي ثم نسمع ونشاهد هنا وهناك أن من العلاقة بين الجنسين ما يسمى صداقةً أو زمالةً ومنها ما يسمى حباً بريئاً شريفاً نزيهاً وغيرَ ذلك من المسميات التي تذكرنا بقوله صلى الله عليه وسلم: (( يشرب أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ) ) (9) رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما بإسناد لا بأس به. ولا غرو أن هذا التناقض بين وسائل التوجيه في المجتمع له آثارٌ سيئةٌ على الأمم والمجتمعات ليس أهونُها ترسيخَ الفصل بين العلم والعمل، والانشطارِ الفكري وتعميق الاضطراب النفسي إذ إن من المعلوم أن اليدَ العليا في نهاية المطاف لما تفرضه المجتمعات لا للمثل والنظريات التي تدرس في الكتب والمقررات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت