#وفاة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)
السيرة النبوية
علي بن عبد الله النمي
الرياض
خبيب بن عدي رضي الله عنه
ملخص الخطبة
1-وفاة نبينا أعظم مصيبة يصاب بها المسلم 2- حَنين الجذع إلى النبي حال حياته 3- مرض النبي صلى الله عليه وسلم 4- ملك الموت يستأذن رسول الله في قبض روحه 5- وفاة النبي صلى الله عليه وسلم 6- اضطراب الصحابة بعد وفاته 7- مكر اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم
الخطبة الأولى
أما بعد:
أمة الإسلام: لقد كانت وفاة النبي - - مصيبة حلت بكل مسلم.
وللمصائب سلوان يهونها وما لما حل بالإسلام سلوان
روي عن النبي - - أنه قال: (( أن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد من مصيبتي ) )يعني مصيبته بموتي، رواه ابن ماجة [1] .
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها فاذكر مصابك بالنبي محمد
نعم أيها الإخوة إذاً! كانت الجمادات تتصدع من ألم مفارقة رسول الله - - فكيف بقلوب المؤمنين؟!.
لما فقده الجذع الذي كان يخطب إليه النبي - - قبل اتخاذ المنبر حنَّ إليه، وصاح كما يصيح الصغير حتى تصدع وانشق، فنزل النبي - - من على المنبر فاعتنقه، فجعل يهدؤه كما يهدئ الصبي، وقال: (( لو لم أعتنقه لحنّ إلى يوم القيامة ) ) [2] .
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان
كان الحسن إذا حدث بهذا بكى، وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله - - فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
جعل النبي - - في آخر عمره يعرض باقتراب أجله. فإنه لما خطب في حجة الوداع، قال للناس: (( خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) ) [3] . وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع.
ولما رجع من حجته إلى المدينة جمع الناس فخطبهم وقال: (( أيها الناس: إنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ) ) [4] .
وعن أبي سعيد الخدري - - قال: خرج رسول الله في مرضه الذي مات فيه وهو معصوب الرأس، فقام على المنبر فقال: (( إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة ) )، فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر - - فقال: بأبي وأمي، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا يا رسول الله. ثم هبط رسول الله من على المنبر، فما رئي عليه حتى الساعة )) [5] .
ورأى العباس بن عبد المطلب - - عم النبي - - في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء بأشطان [6] شداد - يعني حبال - فقصها على رسول الله - - فقال: (( ذاك وفاة ابن أخيك ) )رواه الطبراني [7] .
كل هذا توطئه لوفاة النبي - -. بدأ المرض برسول الله - - في أواخر شهر صفر، وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوما أو قريبا من ذلك. وكان أول ما ابتدئ به رسول الله - - من مرضه وجع رأسه، وكان صداع الرأس يعتريه كثيرا في حياته، ويتألم منه أياما. وفي مرضه اشتدت عليه الحمى، فكان يجلس في مخضب، ويصب عليه الماء من سبع قرب، يتبرد بذلك.
وكان عليه قطيفة، فكانت حرارة الحمى تصيب من وضع يده على القطيفة، ومن شدة وجعه كان يغمى عليه في مرضه، ثم يفيق.
قالت عائشة - رضي الله عنها - ما رأيت أحدا كان أشد عليه الوجع من رسول الله - - [8] .
واشتد عليه الوجع ليلة الاثنين، وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: (( اللهم أعني على سكرات الموت ) ). قالت عائشة رضي الله عنها: وكان يقول: (( لا إله إلا الله، وإن للموت لسكرات ) ) [9] .
وفي حديث معضل أنه قال: (( اللهم أعني على الموت وهونه عليّ ) ) [10] .
لما ثقل النبي - - جعل يتغشاه الكرب، قالت فاطمة - رضي الله عنهما-: واكرب أبتاه! فقال لها: (( لا كرب على أبيك بعد اليوم ) ) [11] .
ولم يقبض رسول الله- - حتى خير بين الدنيا والآخرة، غشي عليه ساعة، وهو على فخذ عائشة - رضي الله عنها - وكانت تنظر إليه متحيرة حبيبها بين يديها يموت، ولا تملك له نفعا، ولا تدفع عنه ضرا. ثم أفاق، فاشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال: (( اللهم الرفيق الأعلى ) ) [12] . فاختار لقاء ربه. وأصابته بحة شديدة، وقال: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً [النساء:69] . اختار رسول الله - - الآخرة على الدنيا، وأحب لقاء ربه.
والله لو أنك توجتني بتاج كسرى ملك المشرق
وقلت لي: لا نلتقي ساعة اخترت يا مولاي أن نلتقي
قال عبد الله بن مسعود -: نعي إلينا حبيبنا ونبينا - بأبي هو ونفسي له الفداء - قبل موته بست، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت آمنا عائشة - رضي الله عنها - فنظر إلينا فدمعت عيناه. رواه البزار [13] .
حق والله لتلك العينين أن تدمع، إنها صعوبة الفراق والنأي عن الأحباب.
ومدت أكف للوداع تصافحت وكادت عيون للفراق تسيل