ثانيا: نؤمن بصفات الله جل وعلا بدون تأويل ، بدون تأويل بمعنى أن نأخذ الصفة ولا نؤولها على هوانا .
مثلا نقول: في قول الله جل وعلا كما قال هؤلاء المعطلة للصفات من الجهمية والمعطلة والأشاعرة والمعتزلة قالوا في قول الله جل وعلا: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) (المائدة/64) أولوا صفة اليد هنا لله جل وعلا أولوها وقالوا: بل يداه مبسوطتان أي بل نعمتاه مبسوطتان جعلوا لله نعمتين اثنتين والله جل وعلا يقول: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) (ابراهيم/34) فنأخذ الصفة بدون تأويل .
وفسروا وأولوا أيضا قول الله جل وعلا: ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (الفتح/10) فقالوا: إن معناها القدرة ، وهذا تأويل باطل ، كما قال أهل السنة والجماعة لماذا ؟ لأن الله جل وعلا أثبت لذاته يدان اثنتان وكلتاهما يمين حتى لا تفكر بعقلك وأثبت الله جل وعلا لذاته ساقا فقال سبحانه: ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق ) (القلم/42) .
وأثبت الله لذاته رجلين فقال النبي في الحديث الصحيح الذي خرجه البخاري ومسلم:"إن الله جل وعلا يلقي في جهنم من المشركين والكفار وتظل تنادى وتقول: هل من مزيد ؟ هل من مزيد ؟ حتى يضع الحق عز وجل عليها قدمه فتقول: قط قط قط قد امتلأت" (1) بغير تأويل وأن نؤمن بالصفات بلا تعطيل كما قال أستاذنا في قوله:
(وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) (الفجر/22) عطل صفة المجيء عن الله عز وجل وقال: لا مجيء لله أبدا ولكننا نقول بأن مذهب أهل السنة والجماعة يقولون بأنه ينبغي أن نؤمن بالصفة دون تعطيل أثبت الله لذاته المجيء ، وأثبت لذاته الدنو ، وأثبت الله لذاته القربى ، ولكننا نؤمن بهذه الصفات بدون تعطيل لماذا ؟
أمر خطير ، لأن تعطيل الصفة عن الموصوف يقول بأن الموصوف لا وجود له أنفي صفة عن شيء ، إذن لا وجود لهذا الشيء ، لأنه لا تمنع الصفة تحجب الصفة إلا عن العدم المحض كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: لا تنفي الصفة إلا عن عدم محض فنحن نؤمن بالصفات بدون تعطيل ، ولا نعطل الصفة .
فنقول: ( وَجَاءَ رَبُّكَ ) أي أثبت الله لذاته المجيء ولكن نقول: جاء ربك مجيئا يليق بكماله وجلاله فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تدركه العقول ولا تكيفه الأفهام ، نؤمن بالصفات بدون تعطيل أي لا نعطل الصفة .
أيضا رابعا: نؤمن بصفات الله جلا وعلا بدون تكييف ، أي بدون تحييز كما قال أستاذنا في قول الله جل وعلا: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (الفجر/14) أي أن الله معك في كل مكان على إطلاق العبارة هكذا فلو ذهبت إلى خمارة لوجدت الله هنالك وهذا كلام خطير ، وإنما مذهب أهل السنة والجماعة في هذه العبارة أي في التحييز والتكييف أن الله جل وعلا ذاته لا تشبه بذوات المخلوقين ، وإن أردنا أن نقول بأن الله موجود في كل مكان على إطلاقها لجعلنا ذات الله في أماكن القاذورات والنجاسات ولقلنا كما قال هؤلاء بالحلول والاتحاد .
ولكن ينبغي أن نقول: الله جل وعلا علمه في كل مكان ، أو إحاطته في كل مكان ، أو الله مع الناس ، أو مخلوقاته في كل مكان بعلمه ، وبقدرته وإرادته ، وقهره وإحاطته وسلطانه ، ولا نجعل ذات الله في أماكن النجاسات ، أبدا ولا في أماكن القاذورات أبدا ، لأن ذات الله لا تكيف ولا تحيز كما قال علماؤنا في قول الله جل وعلا: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (طه/5) يقول جهم بن صفوان عليه لعنة الله هذا الذي كان قائدا للمعطلة يقول: لو وجدت سبيلا لإزالة هذه الآية من المصحف لأزلتها وحذفتها ولجعلتها بدلا من الرحمن على العرش استوى ، الرحمن على العرش استولى ، وقال جهم كما قال أسلافه من اليهود حينما قال الله عز وجل لهم: ( وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً) (لأعراف/161) أي حط عنا ذنوبنا - ( وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ) فخالف اليهود أمر الله بدلاً من أن يدخلوا الباب سجدا دخل اليهود يزحفون على أستاهم أي على مقاعدهم دخلوا يزحفون على أستاهم بدلا من أن يسجدوا لله كما أمرهم وبدلا من أن يقولوا: حطة أي حط عنا خطايانا استهزءوا بكلمة الله فقالوا حنطة .
فيقول جهم بن صفوان عليه لعنة الله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) لو كان الأمر بيدى لأزلتها وقلت: الرحمن على العرش استولى .
ولكن مذهب أهل السنة والجماعة في هذه الآية (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) : أي استوى كما أخبر وعلى الوجه الذي أراد وبالمعنى الذي قال ، استواءا منزهاً عن الحلول والانتقال ، فلا العرش يحمله ، ولا الكرسى يسنده ، بل العرش وحملته والكرسى وعظمته الكل محمول بلطف قدرته ، مقهور بجلال قبضته .
لقد كنت أقول معقبا لهذه العبارات في كل مرة ، لأنه تعالى كان ولا مكان ولقد قرأت والحمد لله أن هذه العبارة خطأ شنيع أيضا .
وأسأل الله أن يغفر لي فيما مضى ، قرأت أن ابن تيمية قال بأن لفظة كان الله ولا مكان عبارة خاطئة ، وإنما الصحيح أن يقال: كان الله ولم يكن شيء قبله فأسأل الله أن يغفر لي فيما مضى وأن يغفر لأستاذنا .
(1) أخرجه مسلم في الإيمان ، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريباً (1/145) وابن ماجة في الفتن، باب بدأ الإسلام غريباً (2/3987) وأحمد في مسنده (4/73)
(2) أخرجه الترمذي في كتاب الفتن (4/2260) وأحمد في مسنده (2/390) وقال أبو عيسى ، حديث غريب من هذا الوجه .
(1) أخرجه البخارى في العلم ، باب كيف يقبض العلم (1/100) ومسلم في كتاب العلم ، باب رفع العلم وقبضه (4/2673) والترمذى في كتاب العلم ، باب ما جاء في ذهاب العلم (5/2652) وأحمد في مسنده (2/162) والدارمى في المقدمة باب في ذهاب العلم (1/239)
(1) أخرجه البخاري في الإيمان والنذور ، باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته (11/6661) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (4/38 جنة ) والترمذي في كتاب صفة الجنة ، باب في خلود أهل الجنة وأهل النار (4/2557) وأحمد في مسنده (3/12) .
إنّ الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) آل عمران/102 .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) النساء/1 .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) الأحزاب70/71 .
أما بعد .. فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى نبينا محمد وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
ثم أما بعد ..