فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 9994

من سَمّعَ سَمّعَ اللهُ بِهِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

نص الحديث:

عن ابن عباس -رضي الله عنهما-قال: قال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"مَنْ سَمّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ"1.

المعنى العام:

إن أضرّ شيء على العبد، أن يعمل عملًا، أو يقول قولًا، لا يريد به وجه الله، جميل ظاهره، قبيح باطنه، يسرّ غير ما يعلن، ويظهر خلاف ما يبطن، يسبح ويهلل، ويقرأ القرآن، ويخطب، ويعلم، ويدعو إلى الله بلسانه، وقلبه غافل وذاهل، وبغير الله مشغول، وعلى سواه معوّل ومتكل، وحسبه من الخير ثناء الجاهلين عليه، واستمالة قلوبهم إليه، إذا قرأ جوَّد، وإذا وعظ بكى، وإذا خطب أو درس لم يلحن، وجاء بالعجب العجاب، ولو أخلص في قلبه لكان الزعيم المطاع، والمصلح الحكيم، والمرشد العظيم، ولكنه الخادع المنافق، والكذاب المكار المزور، يقول بفيه ما ليس في قلبه, ويرائي الناس بما يعمله لربه، وفيه يقول الله-تعالى-: { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} الماعون:4-7 ، ويحذر الله عباده المؤمنين من الرياء بقوله-تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } البقرة:264.

وفي آية أخرى يقول الله-تعالى-: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا } النساء:38.

وبهذا الحديث وأمثاله يحذرنا النبي-صلى الله عليه وسلم- من الرياء والسمعة وأن يعمل المسلم عملًا يبتغي به الشهرة وثناء الناس عليه؛ لأنه لا يصنع الخير حبًا فيه، ولا يترك الشر كراهة له، بل ربما إذا خلا بنفسه ارتكب العظائم، واقترف الجرائم، وقصر في الواجبات والمندوبات، ومن أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه-تبارك وتعالى-، واتصف فيها بصفة المنافقين.

{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا } النساء:142-143.

شرح الحديث:

قوله-صلى الله عليه وسلم-:"من سمّعَ سمّعَ الله به""سمَّعَ"بتشديد الميم، ومعناه: أظْهَرَ عمَلَهُ للنَّاس ريَاءً."سمَّعَ الله به"أي: فضَحه يومَ القيامة.

قال التهانوي:"السمعة: تكون في القول2، وقال ابن عبد السلام: السمعة أن يخفى عمله ثم يحدث به الناس3."

قال ابن حجر: قال الخطَّابي: المعنى مَنْ عمل عملًا على غير إخلاص، يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزِيَ على ذلك بأن يُشهِّر اللهُ به ويفضحه ويُظهر ما كان يُبطنه، وقيل: مَنْ قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإنَّ اللهَ يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة، وقيل: المراد: مَنْ قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه ليُعَظِّموه وتعلو منزلته عندهم، حصل له ما قصد، وكان ذلك جزاؤه على عمله، ولا يُثاب عليه في الآخرة، وقيل: المعنى: مَنْ سَمَّع بعيوب الناس وأذاعها أظهر اللهُ عيوبه وسمَّعَه المكروه.وقيل معنى سمَّع الله به شهره أو ملأ أسماع الناس بسوء الثناء عليه في الدنيا أو في القيامة بما ينطوي عليه من خبث السريرة4.

قال الإمام النووي:"قال العلماء معناه من رآء بعمله وسمعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه. وقيل معناه من سمع بعيوبه وأذاعها أظهر الله عيوبه, وقيل أسمعه المكروه, وقيل أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه وقيل معناه من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك حظه منه"5

وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-عند قوله-"من سمَّعَ سمَّعَ الله به"يعني من قال قولًا يتعبد به الله، ورفع صوته بذلك حتى يسمعه الناس ويقولون فلان كثير الذكر، كثير القراءة وما أشبه ذلك،فإن هذا قد سمَّع عباد الله يرائي بذلك سمّع الله به أي فضحه وكشف أمره وبين عيبه للناس وتبين لهم أنه مرائي، والحديث لم يقيد هل هو في الدنيا أو في الآخرة، فيمكن أن يسمع الله به في الدنيا فيكشف عيبه عند الناس، ويمكن أن يكون ذلك في الآخرة وهو أشد والعياذ بالله وأخزى، كما قال الله تعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ} فصلت:16.

ويدخل في قوله-صلى الله عليه وسلم-:"من سمَّع سمَّع الله به"الذين يشققون الخطب، وينمقون الألفاظ، ويتقعرون في الكلمات، ويمططون أصواتهم بالتلاوة والآذان، ليقال أصواتهم حسنة، وألسنتهم فصيحة، ومالهم من بلاغة القول إلا ما تستحسنه الآذان، ولا ينفذ منها إلى القلوب، وإنما يؤثر في النفوس القول البليغ الذي يتوصل به السامع إلى قصد المتكلم، ويبلغ به المنفعة المرجوة له ولقائله، وكذلك يدخل فيه الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، والذين يتتبعون عثرات الناس، ويتكشفون عوراتهم، من أجل أن يفضحوهم، وإذا سمعوا منهم الكلمة طاروا بها في الآفاق. وملئوا بها القلوب والآذان، لا لشيء سوى الإنكار على قائلها والتسميع به، والله لا يحب كل أفاك أثيم6.

وقوله-صلى الله عليه وسلم-:"وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ"

الرياء مصدر قولهم: راءه يرائيه رياءً ومراءةً، وهو مأخوذ من مادَّةِ رأى التي تدل- كما يقول ابن فارس-على نظر وإبصار بعين أو بصيرة، يقال من ذلك: راءى فلان، وفعل ذلك رئاء الناس ورياء الناس، وهو أن يفعل شيئًا ليراه الناس7.

قال الله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} آل عمران:105.

أما في الاصطلاح: فقد قال الجرجاني: الرياء: ترك الإخلاص في العمل بمراعاة غير الله فيه8 .

وقال ابن حجر الهيتمي:"حد الرياء المذموم: إرادة العامل بعبادته غير وجه الله تعالى، كأن يقصد اطلاع الناس على عبادته وكماله، فيحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء9."

وقال ابن حجر العسقلاني: الرياء إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبه10.

وكل عمل فيه رياء معدود من السيئات، وإن كان صالحًا في ظاهره، وما يلبث صاحبه أن يظهر سره، ويتضح أمره، فيحيق به مكره، وعلى الإخلاص وعدمه، يترتب حسن الخاتمة وسوءها، كما جاء في الحديث الشريف:"إنَّ أَحدُكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت