فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 9994

هـ- التربية على تحمل تبعة الخطأ: ويظهر ذلك جليًا في الفدية الواجبة على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام عمدًا، وعلى من أخطأ الوقوف بعرفات،أو دفع إلى مزدلفة قبل غروب الشمس.. الخ.

و- التربية على التواضع: ويظهر ذلك جليًا في الوحدة بين جميع الحجيج في الشعائر والمشاعر، وإلغاء أثر الفوارق المادية بينهم من لغة ودم مال... الخ .

ح- البذل والسخاء: وهذا واضح في تحمل العبد من بلده ومفارقته لأهله، يذكر بمفارقته لهم حال خروجه من الدنيا إلى الآخرة. ومن حكم الحج أن الحاج عندما يتجرد من المخيط ومن الزينة يتذكر الكفن وخروج العباد من قبورهم يوم القيامة حفاةً عراة غرلًا.

والترحال والتعب يذكران الحاج بالضيق والضنك في عرصات القيامة، حتى إن من العباد من يلجمه العرق يومئذ إلجامًا.

ومن حكم الحج التربية على الاستسلام والخضوع لله تعالى وحده فيتربى العبد في الحج على الاستسلام والانقياد والطاعة المطلقة لله رب العالمين، سواء في أعمال الحج نفسها من: التجرد من المخيط والخروج من الزينة، والطواف والسعي، والوقوف، والرمي، والمبيت والحلق، أو التقصير ونحو ذلك من الأمور التي قد لا تكون جلية المعنى، بل قد تكون إلى الأمر المجرد الذي ليس فيه لنفس العبد حظ ورغبة ظاهرة، أو فيما تحمله تلك الأعمال في طياتها من ذكريات قديمة من عهد إبراهيم عليه السلام،وما تلاه من استسلام وخضوع وإيثار لمحاب الله تعالى ومرضاته على شهوات النفس وأهوائها.

ومن حِكَم الحج: تعميق الأخوة الإيمانية، والوحدة الإسلامية. فالحجاج يجتمعون على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم وأعراقهم في مكان واحد وزمان، بمظهر واحد وهتاف واحد هو: الإيمان بالله تعالى، والامتثال لأمره والاجتناب لمعصيته، فتتعمق بذلك المحبة بينهم، فيكون ذلك دافعًا لهم إلى التعارف والتعاون والتفكير، والتناصح، وتبادل الخبرات والتجارب، ومشجعًا لهم للقيام بأمر هذا الدين الذي جمعهم، والعمل على الرفع من شأنه.

ومن حكم الحج: ربط الحجيج بأسلافهم فإن أعمال الحج تحمل في طياتها ذكريات قديمة: من هجرة إبراهيم عليه السلام وزوجه وابنه الرضيع إلى الحجاز، وقصته حين أُمر بذبح ابنه، وبنائه للبيت، وأذانه في الناس بالحج حتى مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والتذكير بحجة الوداع معه صلى الله عليه وسلم حيث حج معه، ما يربو على مائة ألف صحابي وقال لهم صلى الله عليه وسلم: خذوا عني مناسككم، ثم توالت العصور الإسلامية إلى وقتنا الحاضر حيث تربو أعداد الحجيج على أكثر من ألفي ألف من المسلمين مما يجعل الحاج يتذكر تلك القرون ممن شهد أرض المشاعر قبله، ويتأمل الصراع العقدي الذي جرى بين الموحدين والمشركين فيها، وما بذله الموحدون من تضحية بالأنفس ومتاع الحياة من أهل ومال وجاه، وما قام به المشركون من بغي ودفاع عن مصالح أنفسهم وشهواتها، ليدرك أسباب هلاك من هلك ونجاة من نجا، فيحرص على الأخذ بأسباب النجاة، ويعد نفسه امتدادًا للناجين من الأنبياء والصالحين، ويحذر من أسباب الهلاك، ويعد نفسه عدوًا للمجرمين، ويستيقن أن العاقبة للمتقين، ويرى بمضي من حج من تلك الأقوام إلى ربهم أن مصير الجميع واحد، وأنهم كما رحلوا فسيرحل هو فيعتصم لكي ينجو ويسلم بين يدي الله بالتقوى.

ومن حكم الحج وفوائده: الإكثار من ذكر الله تعالى فالمتأمل في شعائر الحج من تلبية وتكبير وتهليل ودعاء... إلخ وفي نصوص الوحيين التي تتحدث عنه، يجد أن الإكثار من ذكر الله تعالى من أبرز حكم الحج وغاياته، ولعل من تلك النصوص قوله تعالى: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} (198) سورة البقرة.

ومن حكم الحج التعود على النظام والتربية على الانضباط: ففي الحج قيود وحدود والتزام وهيئات لا يجوز للحاج الإخلال بها، تعوده حب النظام والمحافظة عليه، وتربيه على الانضباط بامتثال الأمر وترك النهي. والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جلية.

وأخيرًا من حكم الحج: تلك المنافع الأخرى الدنيوية والأخروية فردية وجماعية، تجل عن الحصر، يدل عليها تنكير المنافع وإبهامها في قوله عز وجل: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} (27) سورة الحج. (5)

1-أخرجه البخاري كتاب الحج باب التلبية برقم (1474) .

2-الفقه الإسلامي وأدلته وهبة الزحيلي (3/12-13) .

3-سبق تخريجه.

4-أخرجه البخاري كتاب الحج باب أمر النبي-صلى الله عليه وسلم- بالسكينة عند الإفاضة وإشارته برقم (1587) .

5-نقلًا عن مقال في مجلة البيان بنوع من التصرف (99/11-14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت