العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
القصص, قضايا دعوية
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الرياض
جامع الطريري
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-الأمثال في القرآن للعظة والعبرة. 2- قصة القرية في المذكورة في سورة (يس) . 3- تعلق قلوب الكفار ببعض شبه الشيطان. 4- ذكر بعض ما جرى بين أنبياء القرية والملأ المكذبين لهم. 5- قصة المؤمن الناصح لأهل القرية. 6- شفقة الداعية على قومه. 7- الصبر على طول طريق الدعوة وكثرة المعوقات فيه.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها المؤمنون اتقوا الله حق التقوى.
عباد الله إن الله جل جلاله ضرب الأمثال في القرآن وجعل في القرآن من كل شيء مثلاً، ضرب المثل لعبوديته الحقّة وعبودية الآلهة الباطلة وضرب مثلاً لرسله، وضرب مثلاً للحق والباطل، وضرب مثلاً لما جعل الله جل وعلا عليه الأمم السابقة، ضرب الأمثال لتكون عظة وعبرة، ولكن الأمثال إنما يعقلها من تفكر وعلم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت:43] . وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [الحشر:21] . فالله جل جلاله نوَّع الأمثال لنتفكر ولنتعظ ولنعتبر.ومن أعظم الأمثال التي ضربها الله جل وعلا في هذا القرآن ، جعلها مثلاً لنتدبرها ولنعي ما فيها، أمثال قصص الأنبياء والمرسلين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى [يوسف:111] .
وإن من تلكم القصص، وتلكم الأمثال قصة تلك القرية التي بعث الله جل وعلا إليها رسلاً، قال سبحانه: واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلونإذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلونقالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين [يس:13ـ17] .
لقد جاء الله جل وعلا تلك القرية برسل هم أكرم الخلق عليه، برسل هم كريمون عليه، مقدمون عنده جل وعلا بما حباهم به وربك يخلق ما يشاء ويختار [القصص:68] . لقد أرسل الله رسوليه إلى تلك القرية لتعظم الحجة عليهم، وليكونوا على بينة من عظم هذا الأمر الذي جاءت به الرسل، أرسل الله إليهم اثنين فكذب هذين الاثنين أهلُ القرية أشد تكذيب، فعزز الله جل وعلا أولئك برسولٍ ثالث، وقال الرسل جميعًا: إنا إليكم مرسلون أكدوا تلك الرسالة وأنهم ليسوا بكاذبين وأنهم أهل صدق، وإنما وظيفتهم أن يبلغوا رسالات الله، وأنهم إن لم يؤخذ بما قالوا فإنما يخشون الله، الذين يخشون الله حق خشيته، أولئك هم الرسل الذين بعثهم الله جل وعلا، بعثهم الله لإنقاذ الناس، أرسل الله جل وعلا هؤلاء الثلاثة فقالوا لأصحاب القرية إنا إليكم مرسلون وماذا كان جواب أصحاب القرية؟ قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء [يس:15] . لقد منعهم من التصديق أن أولئك الرسل كانوا بشرًا، أرادوا أن يكونوا ملائكة، ولو كانوا ملائكة فكيف سيفهمون عنهم، وكيف يعقلون كلامهم ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام:9] .
إن أولئك رفضوا الحق بشبهة في ظاهرها قد يعتذر بعضهم إلى بعض بها، ولكنها في الحقيقة ليست بشيء، وهكذا دائمًا أصحاب الشبهات يوقع الشيطان في قلوبهم الشبه، فيقنعهم أنها شبهة حق وأنهم لو أتاهم الحق واضحًا لقبلوا ذلك، مع أن البينات كانت كافية وكانت باقية وكانت واضحة جلية فإن أولئك المرسلين جاءوا من عند الله بالآيات والبراهين الدالة على صدقهم، المؤيدة لدعواهم الرسالة، وكفى بذلك حجة لمن سلم قلبه لكنهم أرادوا أن يكون الرسل من الملائكة وتلك شبهة ألقاها الشيطان في قلوبهم، إن الناس يحتاجون إلى رسل من البشر يعلمونهم بلسانهم ويقتدي الناس بهم حتى يكون الدين متمثلا أمامهم في بشر يمشون به ويروحون به ويجيئون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء كذبوا بإنزال الله جل وعلا الكتب عليهم قالوا ما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون حصروا أولئك في الكذب، وكأن الكذب لم يتعداهم، وكأن الكذب متمثل فيهم لا يعدوهم إن أنتم إلا تكذبون فكان جواب أهل الحق الثابت الذين يدلون بالحق ويعلمونه، بكلمة واضحة قال الرسل: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وكفى بشهادة الله شهادة، فهل يكون الرسول الذي أرسله الله وأيده بالمعجزات كاذبًا؟ إن الذي يدعي الرسالة لا يلبث أن يعاقب، إن من ادعى رسالات الله في التاريخ لابد أن تحيق به العقوبة سريعًا، وأما من يقول: إني مرسل من عند الله ومؤيد من عند الله بالحجج والآيات والبراهين ثم الله يؤيده على خصمه وينصره ويقوي حجته فإن ذلك دليل على صدق رسالته، وإن ذلك دليل على أن الله جل جلاله بعثه مرسلاً إلى الناس ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين إن الرجل تكون عنده الحجة فيلقي بها في الناس طيبًا لفظها, طيبًا معناها.