كل الناس يرحل ويتحول عن هذه الدنيا، ويُنسى الكثيرون منهم، إلا صنف واحد، وهو معلم الناس الخير الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلمي الناس الخير" [14] .
فهل علمت أخيتي ما الذي نريده منك؟
هذا ما أردت بيانه في هذه الرسالة الصغيرة، أسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
17/6/1420هـ
الهوامش:
[1] رواه أحمد وأبو داود، وهو في"صحيح الجامع الصغير" (7984) .
[2] الرأي العام، العدد: (11683) بتاريخ 17/6/1999م - تحقيق ألطاف الودعاني.
[3] رواه أحمد، وابن ماجه، وهو في"صحيح الترغيب والترغيب"للألباني رقم: (165) .
[4] رواه مسلم (5538) .
[5] رواه مسلم (766) .
[6] رواه الطبراني، وصححه الألباني في:"صحيح الجامع الصغير" (4519) .
[7] رواه أبو نعيم في"الحلية"، وصححه الألباني في:"صحيح الجامع الصغير"للألباني (2085) .
[8] "روضة المحبين"لابن القيم ص: (385) .
[9] "الجواب الكافي"لابن القيم ص: (352) .
[10] "وحي القلم"للرافعي (1/182) .
[11] "وحي القلم"للرافعي (1/293) .
[12] رواه مسلم (6741) .
[13] رواه البخاري (2942) ، ومسلم (6173) .
[14] رواه الترمذي برقم (2838) ، وصححه الألباني في:"صحيح الترمذي".
لشيخ سالم العجمي
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] .
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} [النساء: 1] .
{يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما} [الأحزاب: 70-71] .
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
لماذا هذا الموضوع…؟
الحقيقة.. أنني على علم بأن موضوع هذه الرسالة غاية في الحساسية، وعلى درجة كبيرة من الخطورة، ومع ذلك فإنني على قناعة تامة بأن مثل هذا الموضوع يجب أن يُطرق مرارًا، وبأساليب مختلفة رزينة، تفي بالغرض، وتُوضح الأسباب والآثار المترتبة عليه، لا سيما وأن كثيراً من الناس في غفلة عنه، ولم يقدروا له قدره..
فقد تَبَيِّن لي من خلال المعايشة أن (عمل المرأة ودراستها المتأخرة) من أعظم أسباب (العنوسة) ، وأكثرها تفشياً في وقتنا الحالي.
وقد كان وراء كتابتي حول هذا الموضوع دوافع عديدة؛ أهمها: تلك الرسائل التي سطرتها صاحبات هذه المأساة، تملؤها الصرخات المدوية، وتحس وأنت تقرؤها بحشرجة صدور صاحباتها، ونبرة الحزن في حروفهن..
فمن قائلة:"أتوق إلى بيت وأسرة مثل باقي البنات.. أصبحت مثل الرجال في تحمّل كل شيء، ولكن قلبي قلب طفل.. طالما بكيت بيني وبين نفسي حتى لا يرني أحد…".
وقائلة:"أصبحت كلمة (عانس) بمثابة الخنجر الذي يصيب صميم فؤادي..".
وأخرى يعبّر عنها قول القائل:
فعبرت سور الأربعين ولم تزل بي للطفولة عودة وصهيل
فعند ذلك لملمت أوراقي، وجمعت شتات فكري، وقصاصات الورق التي أحتفظ بها، وشرعت بكتابة هذه الرسالة، سائلاً الأجر من الله وحده، ومستلهماً الصواب منه؛ {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} . [هود: 88] .
ورجائي أن لا يُفهم من وراء نقلي لهذه الآهات والحسرات أنني أوردها من أجل التسلية والقراءة، أو من أجل التجريح، وإثارة الأشجان..
كلا وحاشا..
يعلم الله أنني ما كتبت ذلك إلا من أجل الاعتبار، وتجنب الأسباب التي تجرُّ إلى الوقوع في هذه المعضلات، التي راح ضحيتها فتيات لا ينقصهن شيئاً ليكن ربات بيوت لهن أزواج وأبناء، ويمارسن حياتهن كغيرهن من النساء، ولكن غلطة لم يُنتبه لها، وسوء تقدير، وجهل في العاقبة، هو الذي أوصل إلى هذه الحال..
فكان لا بد من تناول الموضوع بجدِّية، لا سيما ممن يُظَن بهم الخير والحرص على حال إخوانهم وأخواتهم، واستشعار مآسيهم.. لأن الفاجر لا تهمُّه إلا نفسه وشهوته.. بل لعله يتمنى ويعمل جاهداً على تفشي هذه المشكلة، لِما لها من دور عظيم في نشر الفساد والرذيلة، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
فهذه مقاطع أنقلها إبراءً للذمة، وتصويراً للمأساة بما استطعت، وبحوادث واقعية، وإحساساً بحال أخوات لنا بعضهن أفصحن، وبعضهن كتمن، ولكن من عِظَم ما يحملن في قلوبهن من الهمّ والحزن نطق لسان حالهن.. فكُنّ كما قال القائل:
عام وآخر والحرمان مركبتي وفي دمي من رياح الشوق إعصارُ
ثقيلة هذه الأسرار أحملها وربما تقتل الإنسانَ أسرارُ
قد افتضحت ولم أفصح فكيف إذا صبابتي أفصحت وانثال إجهارُ؟
فلا المشوق له أمر على نَظَرٍ ولا تخبىء ذلّ الدمع أنظارُ
فهذا هو بالضبط حال أخوات لنا، ضَنَّ الموجه لهن وندر؛ في فترة مهمة من فترات العمر، فانخدعن بزيف الإدعاءات، ثم لم يفقن إلا على الحقيقة المرة.
فهل ننتظر أن تتوالى المآسي، وتنضمّ إليهن الضحايا فوجاً بعد فوج..؟!
إذاً فالواجب علينا أن نُبين للناس ما غفلوا عنه، ونذكِّرهم بما نسوه، فإن الأمر جدُّ خطير.. إن لم يقم به عقلاء قوم، فستكون عواقبه وخيمة، ونتائجه فادحة..
نسأل الله اللطف بعباده، والوقاية من كل سوء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
تساؤلات
هذه الفتاة التي ترفض الارتباط بزوج من أجل الدراسة.. أما توقفت قليلاً لتفكّر في عاقبتها ومآل أمرها؟.. هل وردت في ذهنها هذه التساؤلات؟..
أما قالت: وماذا سأفعل بعد الحصول على المؤهل العلمي.. وما الذي سأجنيه؟..
ماذا لو وصل عمري إلى الثلاثين أو الأربعين وأنا لم أتزوج؟..
هل ستحقق الشهادة لي الاستقرار الذي سأجده في الزواج؟..
هل ستسليني الشهادة في وحدتي؟.. هل ستغنيني عن الأمومة؟.. إلى أين سآوي في زحمة الحياة إن لم يكن لي زوج يشاركني همومي ومشاكلي؟
كل هذه التساؤلات يجب أن تضعها الفتاة نصب عينيها فإنها إن لم تسأل نفسها هذه الأسئلة قبل الانخراط في زحمة الدراسة والعمل، فإن ذلك (نذير الخطر) ، ودليل الغفلة، ولكن قد لا تتكشَّف لها الحقائق إلا في وقت متأخَّر.. حين يذهب شبابها، ويذبل عودها، وتفقد كثيراً مما يرغب الرجال في الزواج منها..
مهْلاً.. فَكِّري بِتَعَقُّلْ…
عندما تنهي الفتاة دراستها الثانوية، وتلتحق بالدراسة الجامعية، فإن هذا يُعتبر مؤشراً خطيراً وخيفاً، وذلك أن بعض الفتيات ترفض الارتباط بزوج حتى تُنهي دراستها الجامعية، وربما فكَّرت بالدراسات العليا.. وهذا يعني تقدمها في العمر إلى سن الخامسة والعشرين أو يزيد، على حسب التخصص الدراسي.. وذلك في وقت امتلأت فيه البيوت بصغيرات السن..
فهل تظن هذه الفتاة بأن فرصة الزواج بالنسبة لها مهيأة كما لو كانت وهي صغيرة؟..
قالت:
"لقد كنت في مقتبل عمري أحلم بذاك القدر العالي من التعليم، ولا أنكر أنني كنت أحلم بالرغبة في أن أصبح أماً وزوجة في المستقبل، ولكن كان التعليم عندي يسبق كل الأهداف، لدرجة أنني كنت أرفض الاعتراف برغبتي في الزواج.."