فهرس الكتاب

الصفحة 8386 من 9994

وبقي الحال كذلك حتى حصلت على (الماجستير) ، وانتهت رحلة المعاناة الدراسية، وبدأ القلق يتسرّب إلى الأعماق، واستيقظت على الحقيقة، وهي أنني أصبحت أكثر رغبة في الزواج.. ومضت ست سنوات بعد تخرجي حتى تجاوزت الثلاثين من عمري، وهنا كانت الصدمة عندما جاء أحد الخطّاب، والذي أنشد فيه مواصفاتي، ولكنه احتفظ لنفسه بهذا الحق.. حق وضع الشروط والمواصفات، وقد جمع حقائبة وانسحب حينما علم بعمري الحقيقي.. بل قالها صريحة: لا حاجة لي بامرأة لم يعد بينها وبين سن اليأس سوى القليل..

سمعت هذا لأدرك الهزيمة المُرّة، وأيقنت أنني دخلت في زمن (العنوسة) ، الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام من حين لآخر..

واليوم وبعد أن كنت أضع الشروط والمواصفات والمقاييس في فارس أحلامي، وكنت أتعالى يوم ذاك، بدأوا هم يضعون مقاييسهم في وجهي، وهو ما دفعني أن أفكّر كثيراً في أن أشعل النار في جميع شهاداتي، التي أنستني كل العواطف، حتى فاتني القطار..

"بدأت أحمل في نفسي الحسرة على أبي الحنون، الذي لم يستعن بتجاربه في الحياة في تحديد مسار حياتي"..

نعم.. إن تعليمي قد زادني وعياً وثقافة، ولكن كلما ازددت علماً وثقافة ازددت رغبة في أن أكون أماً وزوجة.. لأنني أولاً وأخيراً إنسانة.. والإنسان مخلوق على فطرته"."

هل التعليم الجامعي نقمة؟!!

بعض النساء وللأسف الشديد ـ رغم وصولها إلى سن متقدم ـ لا تريد أن تقدّم ولو بعض التنازلات، بل إنها تعيش في حلمها القديم، فتظن أنها لم تزل تلك الفتاة الصغيرة المرغوب فيها.. التي تضع الشروط لزوج المستقبل، فلا يملك الرجل سوى التسليم..

وهذا خطأ.. فيجب أن تفهم أن تلك الفترة التي كانت تعيشها.. تحوّلت وتبدّلت، وأن ترضى بالواقع، وتعلم أنها في وقت لا تملك فيه إلا أن تتنازل عن المواصفات التي وضعتها للرجل الذي تريد الارتباط به.

فالتنازل في هذا الموضع ممدوح، فهو من أجل الحصول على غاية أكبر وفائدة أعظم، ولا يُستغرب هذا، فإن هذه سنة الله التي لا تتبدل..

فقد يكون الإنسان يوماً من الأيام يملك زمام الأمور في مسألة ما، وفي يوم آخر لا يملك سوى التنازل عنها أو عن بعضها..

ولأنها إن لم تفعل ذلك، وتوافق على رجل يحمل بعض المواصفات، فلعلها تضطر في وقت من الأوقات أن توافق على أي رجل، ولو لم يحمل أدنى المواصفات، من أجل أن تهرب من الوحدة والخوف على ما بقي من العمر.. وهذا لأن لكل فترة ما يناسبها، ولا يُتصور في مثل هذا الموضوع أن المرحلة التي ستقدم عليها هي خير من التي تعيش فيها.. إلا أن يشاء الله.

قالت:

"أنا جامعية، حاصلة على (الماجستير) ، وعلى قدر طيب من الجمال والخلق والذكاء، لم يتقدم لي إنسان من وجهة نظري مناسب.. ولم أكن أحب الارتباط برجل متزوج، وهم من تقدموا لي.."

وفجأة مات أبي وأمي في عام واحد؛ وأصبحت يتيمة، وكل أخوتي متزوجون، وأصبحت مأزقاً لهم جميعاً، فلا أحد يرحب بوجود الأخت والزوجة في مكان واحد.

المهم.. تقدم لي خاطب، خالٍ من كل ميزة، فوجدت نفسي أهرب من الوحدة، ومن لقب عانس، الذي كنت أسمعه بنفسي، وفي مكان عملي، ومن الرجال والنساء..

وتزوجت.. وإذا بي أعيش جحيماً حقيقياً؛ وأنا المتعلمة الجميلة الذكية جداً، في البيت قبل العمل، بشهادة زوجي في لحظات الصفاء.

وهو ـ بالمناسبة ـ يضربني ويركلني، ويشتمني أحياناً، ويعلم أنني بلا مأوى، ولا أب ولا أم، ولا أعمام يسألون عني، ومضطرة إلى الاحتمال، فأبنائي خمسة، سيرثون التعاسة لا محالة.

فهل التعليم الجامعي نقمة…؟!"."

امرأةٌ.. مع وقف التنفيذ…

الوظيفة هي الشق الآخر المكمل للدراسة، ولا ينفكّ أحدهما عن الآخر غالباً.

فبعض النساء أول ما تفكِّر فيه بعد التخرّج أن تعمل؛ وهنا يبدأ محور جديد..

فبعضهن يُعرض الخطّاب عن الارتباط بها لأنها تعمل في وظيفة اختلاطية تضم الرجال والنساء معاً؛ وفي كثير من المجتمعات التي لا زالت تحتفظ بأصالتها لا يرتضي الرجل لنفسه أن يتزوج بامرأة كسرت حاجز الحياء وتخطّته.

وبعض النساء ترفض الارتباط برجل من أجل أن تحقق طموحاتها في مجال مهنتها؛ وقد لا تتحقق هذه الطموحات إلا بعد أن تخسر كل شيء..

قالت:"لم أشعر بأن العمر يجري مني بسرعة كبيرة.."

ما زلت أتذكر اليوم الذي تخرّجت فيه من الجامعة لأزاول مهنتي ووظيفتي، التي اخترت دراستها بالجامعة، ومع معترك الوظيفة والعمل وجدت نفسي أُشرف على أبواب الثالثة والثلاثين من العمر دون أدنى إحساس بكوني امرأة.

اعتقدت أني أستطيع تحقيق التوازن المطلوب، ولكن في لحظة شعرت بحاجتي إلى الاستقرار وبأهمية أن تكون لي حياتي الخاصة.. وتحوّلت نظرتي من السطحية في أمور الزواج إلى نظرة واقعية تجاه الحياة، فالبحث عن بعض التغيير أمر طبيعي، ولكن أن نأمل في تغيير كامل.. هذا هو المستحيل بعينه..

قد تكون من في سنّي تزوجت وكوّنت أسرة.. وقد يأتي يوماً ما النصيب؛ وذلك بيد الله سبحانه وحده.

ففي العشرين من العمر نسيت أني امرأة عندما رفضت الزواج وتكوين أسرة وأطفال.. وفي الثلاثين من العمر نسيت أني امرأة، عندما كنت أنا البادئة في طلب الزواج.. فهل فعلاً نسيت أني امرأة؟..

وهل من حقي أن أطالب بالزواج؟".."

التوقيع: امرأة مع وقف التنفيذ..

بكت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

وأذكر أيام الصبى ثم انثني على كبدي من خشية أن تصدعا

لا يَعْرِفُ الجُرْحَ إلاّ مَنْ بِهِ أَلَمُ..

إنه مما لا شك فيه أن الإنسان لو تكلَّم في أي موضوع كان.. لا يستطيع تصويره كما يصوره من عايشه، لا سيما إذا كانت هذه المعايشة معاناة، فإنك ستجد أكثر الناس صدقاً في وصفها من ذاق مرارتها وآلامها.

ولذا فإني أنقل لأخواتي هذه الحكاية، التي تحكيها إحدى النساء، تجسد فيها صِدق المعاناة.. وإن بها لعِبرة:

وقفت أستاذة جامعية أمام طلبتها وطالباتها، تلقي خطبة الوداع بمناسبة استقالتها من التدريس؛ فقالت:"ها أنا قد بلغت الستين من عمري، وصلت فيها إلى أعلى المراكز.."

نجحت وتقدمت في كل سنة من سنوات عمري، وحققت عملاً كبيراً في المجتمع.

كل دقيقة في يومي كانت تأتي عليّ بالربح، حصلت على شهرة كبيرة، وعلى مالٍ كثير.

أُتيحت لي الفرصة أن أزور العالم كله، ولكن هل أنا سعيدة الآن بعد أن حققت كل هذه الانتصارات؟!

لقد نسيت في غمرة انشغالي في التدريس والتعليم، والسفر والشهرة، أن أفعل ما هو أهم من ذلك كله بالنسبة للمرأة..

نسيت أن أتزوج وأن أُنجب أطفالا وأن أستقر، إنني لم أتذكر ذلك إلا عندما جئت لأقدم استقالتي، شعرت في هذه اللحظة أنني لم أفعل شيئاً في حياتي، وأن أجد كل الجهد الذي بذلته طوال هذه السنوات قد ضاع هباءً.

سوف أستقيل، ويمر عام أو اثنان على استقالتي، وبعدها ينساني الجميع في غمرة انشغالهم بالحياة.. ولكن لو كنت تزوّجت وكوّنت أسرة كبيرة لتركت أثراً كبيراً وأحسن في الحياة..

إن وظيفة المرأة هي أن تتزوج وتكون أسرة، وأي مجهود تبذله غير ذلك لا قيمة له في حياتها بالذات..

إني أنصح كل طالبة أن تضع هذه المهام أولاً في اعتبارها".."

وقديماً قيل:

شيئان لو بكت الدماء عليهما عيناي حتى يؤذنا بذهابي

لم يقضيا المعشار من حقيهما فقد الشباب وفرقة الأحباب

ماذا عسانا أن نفعل…؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت