أيها المسافرون: وأما المخاطرُ الأمنية, فنحنُ وأنتم عاجزونَ عن وصفِ حبلِ الأمنِ المضطرب, وجدارِ الطمأنينةِ المتداعي, ولكن حسبُنا إشاراتٌ عابرة، ولمحاتٌ سريعة, وتذكيرا تٌ عاجلة, علَّها تكونُ كافيةً في تثنيكم عمَّا عزمتم عليه من السفر إلى تلكَ الديارِ المخيفة، حمايةً لأنفسكم، وحفظاً لأرواحِكم على الأقل إن لم يكنْ رغبةً في حفظِ عقائدكم وأخلاقكم, أو الوقوف عند حدودِ ربكم ومولاكم, فأنتم تعلمون أنَّ الجريمةَ في تلكَ البلاد لم تعدْ تأخُذ طابعَ الارتجالِ والفردية, ولكنَّها أصبحتْ اليوم جريمةً مُنظمة وعصاباتٍ مُدربة, وخبراءُ متمرسون جعلوا من الحياةِ جحيماً لا يُطاق، وعذاباً لا يُحتمل, وساد قانونُ الغاب، ومنطق هذا قويٌ وهذا ضعيف, وانطلقَ المجرمونَ والقتلةُ يسفكونَ دماءَ الناس, وينتهكونَ أعراضَهم في ظلِ غيبةِ الجزاءاتِ الرادعة، والعقوباتِ الحازمة, وأصبح دمُ الإنسان أرخصَ من دمِ البعوض، بحيث يكفي أن يرى المجرم ساعةَ يدٍ تُعجبُه, أو دولاراً يسيلُ له لُعابه حتى ينقضَ على فريسته بعدةِ طعنات ترديه قتيلاً دونَ أن يتحركَ أحدٌ لإنقاذِه، في ذلكَ العالمِ البهيميِ المخيف .
وقد بلغ من قوةِ نفوذِ عصاباتِ السرقةِ والإجرام, أن اقتسمتْ الأحياءَ والشوارع, وسيطرتْ كُلُّ عصابةٍ على حيٍ أو منطقةٍ ما, لتمارسَ إجرامَها وابتزازَها لكلِّ من يعبُر مناطقَ نُفوذِها, في غيبةٍ تامةٍ لرجالِ الأمن.
فأيُ نُزهةٍ وسياحةٍ تلك التي يبحثونَ عنها في تلك الأجواءِ المخيفةِ المضطربة .
أيها المسلمون: وقدْ يتشبثُ بعضُ المسافرين بحججٍ واهية، وأعذار ٍساقطة، فيدَّعي بعضُهم رغبَته في تعلمِ اللغةِ الأجنبية, أو إجراءِ الفحوصاتِ الطبي, أو نحوِها من الدعاوى, مع أنَّه يعلمُ جيداً أن تعلمَ اللغةِ الأجنبية أمرٌ ميسور من غير حاجةِ السفرِ إلى هناك, وأمَّا الفحوصات الطبية فلا يعجزُ عنها أصغر مستشفى في بلادنا !
فليتق الله أولئك، وليعلموا أنهم إنَّما يخادعون أنفسَهم، وأما الله جلَّ جلاله فهو أجلُّ وأعظم من أن يخادعَه أحد، وليتذكروا أنَّهم مسؤولون عن إضاعتِهم الأمانة، وتبد يدِهم الأموالَ الطائلة في أسفارٍ لا مردود من ورائها, لو أحسنوا استخدامَها لروَّحوا عن أنفسهِم ترويحاً بريئاً, ولفرَّجوا عن فقراءِ المسلمينَ وضعفائِهم, إذ ربَّما كانت قيمةُ تذكرةٍ واحدةٍ في الدرجةِ الأولى إلى لندن أو باريس كافيةً لإعاشةِ أسرةٍ بأكملها لمدةِ عامٍ كامل, ولكنْ ما الحيلةُ وقد قستْ القلوبُ، وتبلدتْ الأحاسيسُ، وماتتْ الضمائرُ ، وأصبحَ البعضُ يعيشُ لنفسِه وملذاتِه ورغباته، ولو ماتَ الآخرونَ أو احترقوا، أو طويت بُطونُهم من الجوعِ والفاقةِ والحرمان .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .
واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين,
أما بعد ُ:
فلسَّفرِ آثارُه الخطيرةِ على الفتاةِ المسلمةِ على وجهِ الخصوص، حيثُ بفسادِها تتمرغُ سمعةُ أهلِها ومكانتُهم بالتراب، ويشقى بها مجتمعُها كُلُه، فما بالك بفتاةٍ تحركُها العاطفة, تتابعتْ أمامَ عينِها مشاهدُ مريبة أصابتها بالذهولِ والدهشةِ, ثم ألِفتهَا واعتادتها, ثم عشقَتها بعد ذلك حتى اهتزتْ ثقتُها بمعتقداتِها وقناعتها, ثم أخذتْ تلك الاعتقاداتُ والقنا عات تتهاوى واحداً بعد الآخر مع كلِّ يومٍ يَمُر عليها في أرضِ المصيف .
ما ظَنُّك أيها المبارك ! وما ظنُّك أيها المسافرُ !! بفتاةٍ ضعيفةٍ مسكينة, وجدتْ نَفسَها فجأةً في مجتمعٍ إباحي تُرتكب الفاحشةُ فيه على قارعةِ الطريق, ماذا تُراه يجولُ في خاطِرها ويتحركُ في نفسِها وهي ترى نظيرتَها الأوربيةَ والأمريكية قد حسرتْ عن فخذيها وذراعيها، وتأبطتْ ذراعَ شابٍ عربيد يجوبان الشوارع على أنغامِ الموسيقى الصاخبة .
فاتقوا الله أيها المسافرون: واحفظوا بناتِكم ماءَ وجوهِكم قبل أن تقعَ الكارثة , وينكسرَ الزجاج, ودعونا من الكلامِ الفارغ والثقةِ المزعومة, فالمرأةُ هي المرأة, والذئبُ هو الذئب, والشيطانُ حيٌ لم يمت .
أيها المسلمون: وقد يتحجج بعضُهم باعتراض الأُسرة وغضبِ الأبناء، ويتساءلُ عن البديل فأمَّا غضبُ الأسرةِ والأبناء فليس مقدماً على غضبِ اللهِ ونقمتِه . فامتناعُه عن السفرِ بهم ليس بغضاً لهم, وحنقاً عليهم, وإنما وقايةً لهم من النار واستجابةً لنداء الرحمن: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ) (التحريم:6) .
ولربِ الأسرة ممارسةُ حقِّ القوامةِ على أهلِه وأولاده,
وإقناعهمِ بالتي هي أحسن, ومداراتهم بالتي هي ألين، فإن استجابوا وإلا كان قولُه:
فليتكَ تحلُو والحياةُ مريرةٌ:: وليتَك ترضى والأنامُ غضابُ
إذا صحَّ منك الود فالكلُّ هين:: وكُلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ
وأما البديل: فهو موجودٌ بحمد الله، فالبديلُ المباح متوفرٌ بكثرة فللترويح البريء ألفُ طريقةٍ وطريقة, فمصائفُنا في الجنوب مضربُ المثلِ في الجمالِ الخلاب, والطبيعةِ الجذابة, والرياضِ الغناء, فضلاً عن أجوائِها المعتدلة ومجتمعِها المسلمِ المحافظ. كما أنَّ الإقامةَ في الطائف تهيئ للمصطافِ الأجواء اللطيفةَ الممطرة, والمصائفَ الجميلةَ الممتعة فضلاً عن القُربِ من المسجِد الحرام, بحيثُ ينزلُ إليه المصطافونَ كلَّ أسبوعٍ أو أسبوعين, يجددونَ إيمانهم ويسعدُون قلوبَهم, ويحفظونَ أولادَهم وذرارِيهم. هذا إذا كُنَّا نبحثُ عن الترويحِ البريء , والمتعةِ المباحة .أما إذا كانتْ هناك مآربُ أخرى.
فاللهُ يقول: (( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير ) ) (فصلت: 40) .
اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى أله وصحابته أجمعين .
وأرضي اللهم عن الخلفاء الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهم آمنا في الأوطانِ والدور وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
[1] - رواه ابن كثير في تفسيره عن أبي جعفر ابن جرير ( ج/2 ص231) .
[2] - رواه ابن كثير في تفسيره (ج/1 ص400) .
الحمد لله؛ خلق البشر ليعبدوه، ورزقهم ليشكروه ولا يكفروه ، نحمده على عظيم نعمه، ونشكره على تتابع مننه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ خزائن السماوات والأرض بيده ، وكل شيء هالك إلا وجهه (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ بشر أمته وأنذرهم ، وما من خير إلا دلهم عليه ، ولا شر إلا حذرهم منه ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين0