فهرس الكتاب

الصفحة 8016 من 9994

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ، وراقبوه فلا تعصوه ، اتقوه في أنفسكم ورعاياكم ، واتقوه في حلكم وترحالكم ؛ فإنه سبحانه على كل شيء رقيب ، وبكل شيء عليم ، ولا تخفى عليه خافية من أقوالكم وأعمالكم ومقاصدكم قال تعالى: (( إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) ) (الأحزاب:54) .

وقال تعالى: (( وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ) ) (طه: 8,7) .

أيها الناس: للنفوس البشرية إقبالها وإدبارها، ولها ضروراتها وحاجاتها، وقد راعى الإسلام ما في النفس البشرية من حب للشهوات فأباح من الشهوات ما ينفعها وينشطها ، وحرم عليها ما يضرها ويوبقها0وما من شهوة محرمة في دين الله تعالى إلا ويغني عنها ما هو خير وأنفع منها.

إن الإسلام وإن كان دين الجد والعمل ، ويربي أتباعه على الاقتصاد في اللهو والعبث، ويوجههم إلى الآخرة عوضا عن الدنيا وملاذاتها؛ فإنه كذلك أباح لهم من لذائذ الدنيا ما يكون عونا على الطاعة ، وسببا لاجتناب المحرم0وتكون هذه اللذات المباحة عبادات يؤجر عليها صاحبها إذا أحسن فيها النية ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( وفي بضع أحدكم صدقة ، قالوا: يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا ) ) [1] .

ولما قال حنظلة الأسيدي رضي الله عنه: (( يا رسول الله ، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأيُ عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات ) ) [2] .

ولما أراد عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن يأخذ نفسه بالجد ، ويفرغها للعمل الصالح؛ رغبة في الآخرة ، وإعراضا عن الدنيا تعقبه النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته تلك فقال عليه الصلاة والسلام: (( يا عبد الله ، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ قلت: بلى يا رسول الله ، قال: فلا تفعل ، صم وأفطر ، وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا ) ) [3] .

فأخذ النفس بالجد دائما قد يؤدي إلى الملال والسأم ، ومن ثم ترك كل العمل.

وقد نقل عن على رضي الله عنه قوله: ( أجمُّوا هذه القلوب، والتمسوا لها طرائف الحكمة؛ فإنها تمل كما تمل الأبدان ) .

وكذلك الزيادة في اللهو والترويح، والانغماس في اللذات ولو كانت مباحة سبب لموت القلب، والإقبال على الدنيا، والإعراض عن الآخرة ، والخيار في ذلك الموازنة بين حقوق الآخرة، وحظوظ النفس من الدنيا.

وللناس في الترويح والسعة مذاهب يتبعونها، وطرائق يسلكونها:من اتخاذ المزارع والضيعات، والخروج إلى المتنزهات والاستراحات ، في أنواع من اللهو المباح وغير المباح0

ومن أشهر أنواع الترويح والتنفيس عن النفس البشرية: السفر من بلده إلى بلاد أخرى، إما لأنها مسقط رأسه، وبلد آبائه وأجداده، وإما لميزات أخرى دعته إليها ، وجعلته يقدمها على غيرها، وغالب البشر يقدمون السفر كنوع من أنواع التنفيس على غيره من أنواع الترفيه والترويح ، ويجعلونه تاجها ورأسها ، ولا بد منه في كل عام عند أكثر الناس ممن يطيقونه ويجدون نفقاته0

والسفر إما أن يكون سفر طاعة وإما أن يكون سفر معصية، والمباح منه يؤول بالنية والعمل إلى أحدهما ولا بد0ومن سفر الطاعة: السفر للجهاد أو الرباط أو طلب العلم أو صلة الرحم أو زيارة الإخوان في الله تعالى0

ومن سفر المعصية: السفر للسرقة أو قطع الطريق أو الزنا أو القمار أو الخمر أو غير ذلك من أنواع المحرمات.

والسفر للترويح والترفيه هو من المباحات التي تؤول إلى الطاعة أو إلى المعصية0

فإن سافر إلى بلد يقام فيها دين الله تعالى، ويحكم فيه بين أهلها بشريعته ، وأحكام الإسلام فيها ظاهرة ، والدين فيها عزيز، مع قيامه في نفسه وأهله ورفقته بما أمر الله تعالى من فعل المأمورات، واجتناب المحظورات، فهذا سفر مباح لا ضير على العبد فيه ولا فيما أنفقه من نفقات فيه، فإن اقترن بذلك نية صالحة من قصد إدخال السرور على أهله وولده، وجعلهم تحت علمه وبصره ، وحفظهم من الفراغ ورفقة السوء في بلده، أو أراد بسفره نشاط نفسه وأهله على طاعة الله تعالى، والتفكر في عجائب خلقه وقدرته ؛ كان سفره سفر طاعة ، وله من الأجر فيه على حسب نيته ، ونفقته فيه مخلوفة عليه إن شاء الله تعالى0

وأما إن كانت وجهة سفره إلى بلاد كافرة ، الكفر فيها عزيز، والإسلام فيها ضعيف، وحرمات الله تعالى تنتهك فيها جهارا نهارا ولا نكير، فهذا سفر معصية لا خير فيه، وإثمه أكبر من نفعه، وهكذا إن سافر إلى بلاد تتسمى بالإسلام وليس الإسلام فيها ظاهرا، بل الظاهر فيها الكفر والفسوق والعصيان ولم يرخص العلماء في السفر إليها إلا لضرورة لا بد منها، أو حاجة ملحة ، بشرط أن يكون عند هذا المسافر أو من معه من رفقته علم يدفع به الشبهات، وأن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات. فإن خشي على نفسه من الزيغ والضلال، أو كان ضعيفا أمام الشهوات ، فالسلامة لا يعدلها شيء، ولعل ضرورته أو حاجته تندفع بغير هذا السفر ، ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ومن ترك شيئا لله تعالى عوضه الله تعالى خيرا منه0

إن السفر إلى بلاد تعج بأنواع الكفر والفسوق لمما يضر المسلم في دينه، فكيف إذا اصطحب معه أهله وولده ، وهم أمانة في عنقه، وأضرار ذلك كثيرة، وآثامه عظيمة: فمن اختار بلادا كافرة موطنا لسياحته، ومقرا لإجازته فقد أجاز لنفسه الإقامة بين ظهراني المشركين ، فيخشى عليه من براءة النبي صلى الله عليه وسلم منه؛ كما قال عليه الصلاة والسلام" (( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) )."

فإن وقعت له مشكلة اضطرته إلى محاكمهم فقد تحاكم إلى الطاغوت بلا اختيار منه ، وقد كان في عافية من ذلك.

ولو لم يكن من السفر إلى بلاد يظهر فيها الكفر والفجور، ويعلن الناس به إلا أن هذا المسافر المسلم يرى المنكر فلا ينكره فضلا عن أن يغيره ويزيله، وكم يمر به في يومه وليلته من منكرات يأثم بحضورها وعدم إنكارها، ولازم على من حضر منكرا أن ينكره ، فإن لم يستطع وجب عليه أن يفارق مكانه0بل إن إدمانه على مشاهدة المنكرات سبب لتغير قلبه، ورقة دينه ؛ فإن سلم هو من أكثر ذلك لعزلته في مسكنه أو منتجعه ،لم يسلم من معه من أهل وولد ورفقة ، وآثامهم على رقبته.

وتغير كثير من نساء المجتمع فيما يتعلق بالحجاب الشرعي حتى استبدل باللثام والنقاب واللباس الضيق ، والتوسع في كشف الوجه ، وإظهار الزينة، في أنواع من الغرور والاستعراض ما هو إلا من بلاء السفر والإعلام، فالمرأة الرحالة مع أهلها شرقا وغربا قد ألفت نزع الحجاب في غير بلدها، مع الاختلاط بالرجال وبنزعها لحجابها نزع حياؤها، فثقل عليها أن تعيده كما كان إذا عادت إلى بلدها0وكل هذه الآثام يتحملها وليها مع بقاء إثمها عليها نسأل الله تعالى أن يخفف عنا وعن المسلمين0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت