ومن أعظم ما يكون سببا للإعجاب بالكفار ومذاهبهم وأخلاقهم وطرائق عيشهم مثل هذه الأسفار المشؤمة؛ حتى صارت المجاهرة بمديحهم علانية في الصحف وغيرها مع نهاية كل صيف، فكل كاتب معجب بهم أقام صيفه في أحضانهم، يعود إلى بلده لينفث جهالاته وضلالاته على الناس، مدحا للكفار وإعجابا بهم ، وشتما في بلده وأهله وبغضا لهم، وهو يأكل من خيرهم، ويتفيأ ظلالهم ، فما أجحده وما أنكره ( قتل الإنسان ما أكفره ) وما علم هذا المسكين المعجب بما لا يعجب العقلاء من بني آدم أن الكفر أعظم الذنوب، وأن المتلبس به مهما كانت أخلاقه عالية ، وابتسامته عريضة، وتعامله حسنا ؛ فإن ذلك لا يقربه عند الله تعالى طرفة عين، بل تعجل له حسنته إن عمل صالحا في الدنيا حتى لا يبقى له شيء عند الله تعالى يحاججه به، فيوافي يوم القيامة ولا حسنة له ، وقد استحق النار خالدا فيها مخلدا إن مات على كفره ، فمن يعجب بمن كانت هذه حاله ومنزلته عند الله تعالى ، وتلك نهايته في الدار الآخرة ؟ والله لا يعجب به، ولا يثني عليه إلا مريض القلب ، مغموص عليه في النفاق، أو جاهل أخرق لا يدري ما يقول0وكل الذين ينادون بالمشاريع التغريبية في بلاد المسلمين ما هم إلا ضحايا لهذه الأسفار المحرمة حتى لوثت عقولهم بالشبهات ، وتملكهم حب الشهوات ، فهي التي تسيرهم في دعواتهم التخريبية في بلاد المسلمين ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، وأن يكفي المسلمين شرور دعواتهم ومشاريعهم0
وإذا كانت هذه بعض أضرار السفر لبلاد الكفر والفجور فكيف يسوغ لعاقل أن يورد نفسه ومن يحب من أهله وولده هذه المهالك في الدين من أجل متعة عابرة ، ولذة زائلة0
هذا إن سلم هو وأهله وولده من الوقوع في كبائر الذنوب ، وعظائم الموبقات ، وقلّ من الناس من يسلم ؛ لغلبة الشهوة ، وقوة الدافع ، وغياب الرادع، إلا من عصمه الله تعالى وقليل ماهم0وكم نقل كثير من المسافرين أمراضا جنسية لأهلهم ومجتمعهم لا عافية منها إلا باجتناب ما حرم الله تعالى من الخبائث، والاكتفاء بالحلال الطيب0
ألا فاتقوا الله ربكم - أيها المسلمون - واجتنبوا ما حرم الله تعالى عليكم ، وراقبوه في كل أحوالكم، واستعيضوا بالحلال الطيب عن الحرام الخبيث؛ فإن فيه الخير والبركة ، وإن الحرام لا يشبع منه ، وعاقبته شقاء في الدنيا ، وعذاب في الآخرة ، واحفظوا أنفسكم ورعياكم من أهل وولد من موجبات غضب الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ) (التحريم: 6) .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم0
الخطبة الثانية
الحمد الله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا أمن إلا للمؤمنين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمين ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - وراقبوه، وألزموا طاعته ولا تعصوه (( ومَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) ) (النور: 52)
أيها المسلمون: خلق الله تعالى الخلق لعبادته ، وواجب على من رضي بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا أن يراقب الله تعالى في كل أحواله، وأن يصدر عن شريعته، وليس له أن يقدم هواه وهوى أهله وولده على أمر الله تعالى ؛ فإن ذلك سبب الزيغ والضلال (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (النور: 63) .
(( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ) ) (الأحزاب: 36) .
وقد جعل الله تعالى في الترويح الحلال، والسفر المباح مندوحة وغنى للمؤمن عن كل سفر محرم0
ومن عجيب أمر بعض المسافرين أنهم ينفقون مالا عظيما في أسفارهم، لا ينفقون عشره في مجالات الخير ، ونفع الناس ، والصدقة على الفقراء0
وأعجب من ذلك أن واحدهم يزعم محبة الله تعالى ، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو في كل سنة يقطع آلاف الأميال في سفر محرم، ويصبر نفسه على الرهق والعسر والزحام في المطارات وغيرها ، ومكة والمدينة قريبتان منه ، فيغيب عنهما سنة وسنتين بل عشرا وعشرين ، ولربما أنكر على ولده أو قرابته كثرة العمرة وزيارة المدينة ، بحجة الزحام والحر ونحو ذلك ، وهو لم يمنعه تكلف صعاب أعظم ، ومسافات أطول، ونفقات أكثر من سفره المحرم ، فأي حرمان وخذلان هذا ؟ نسأل الله تعالى السلامة والهداية0
ومن أبى مع ذلك كله إلا أن يختار السفر المحرم، ولم يقدر على كبح جماح شهوته ، فعليه أن يتقي الله تعالى في سفره، وأن يراقب أهله وولده ، وأن يدعو إلى الإسلام من خالطه من أهل الكفر، أو إلى الطاعة من رآه من المسلمين على معصية ؛ لعله بذلك أن يكفر بعض سيئات سفره0
وأما تركه لأهله وولده يسرحون ويمرحون كيف شاؤوا، ويأتون من المنكرات ما أرادوا؛ فذلك من تضييع الأمانة، وخيانة الديانة ، وهم متعلقون في رقبته يوم القيامة لا محالة، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته.
كما يجب عليه أن يلزم زوجه وبناته بالحجاب الشرعي حتى لو كانوا في بلاد لا يلتزمه أهلها؛ إذ إن الوقوع في المحرم وهو السفر إلى تلك البلاد لا يسوغ المحرمات الأخرى0
ويجب عليه أن يلزم رفقته بإقامة الصلاة في وقتها ، فكم تنسى الصلاة في بلاد لا ترى فيها المساجد إلا قليلا، ولا يعلن بالنداء للصلاة فيها، فلعل من حافظ على دينه أن يرزقه الله تعالى وأهله وولده خشية وصلاحا في قلوبهم، تجعلهم يستغنون عما حرم الله تعالى عليهم بما أحل لهم، فيعتقون من أسر هذه المعاصي والآثام0
ولا يحل لمسلم أن يبدي إعجابه بأحوال الكفار، وما هم عليه من حسن المعيشة والحال دون أن يقرن ذلك بالتحذير من كفرهم، وبيان سوء عاقبتهم ؛ لئلا يغتر بمديحه ضعاف القلب والإيمان0والثناء على الكفار ومدحهم بإطلاق سبب لمحبتهم ومودتهم ومحبة مناهجهم وطرائق عيشهم والله تعالى يقول: (( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) ) (المجادلة: 22) .
كما أنه سبب لتوليهم والله تعالى يقول: (( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ نهم ) ) (المائدة: 51) .
وهو كذلك سبب لتقليدهم والتشبه بهم فيما أُعجب به منهم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ).
والواجب عليه إبراز قبائحهم ، وإظهار معايبهم ، وانتقاد طرائق عيشهم؛ تحذيرا لنفسه وأهله وللمسلمين من سلوك مسلكهم، وانتهاج نهجهم؛ لأنهم أهل النار إن لقوا الله تعالى على كفرهم ، وأهل النار لا يمدحون بإطلاق، بل هم أهل المذمة والقدح ، نسأل الله تعالى العافية من حالهم0
وصلوا وسلموا ..
[1] رواه مسلم .
[2] رواه مسلم .
[3] رواه الشيخان .