فهرس الكتاب

الصفحة 2773 من 9994

#الدين وأهداف الحياة الثلاثة

* محمد الأديب

للانسانية في معترك هذه الحياة أهداف ثلاثة، هي: الحق، والخير، والجمال، وكل واحدة منها ضروري ما دمنا نريد السعادة وننشد الكمال. الذي يكون الانسان انساناً.

ولقد مضى على الانسان قرون كان فيها فريسة الجهل، يعبد الشمس والقمر والنجوم، بل يعبد الأحجار والأشجار والحيوان، ولا يتمتع بلذة المعرفة، وإدراك الحقائق، ولا تتصل روحه، ولا يسمو عقله إلى خالق هذا الكون العجيب، ولا تفكيره إلا إلى ما بين يديه كأنه واحد من هذه الحيوانات التي تعج بها الأرض لا يمتاز عنها كثيراً.

وكان الانسان محروماً من إدراكه الجمال، والتمتع بلذاته، فالقانون قانون القوة، كما هو الشأن بين وحوش الغاب، وليس للأخلاق موازين ولا للفضائل مقاييس، ولا للشرف قيمة، ولا للحياة مثل تحتذي أو تراد.

وما لهذا خلق الانسان، ولا بهذا استحق خلافة الله في الأرض، ولا لهذا استحق بنو آدم على سائر ما خلق الله، فلم يكن بد من (هداية السماء) تكفله وتهذبه، وتقرب له السبيل، وترسم له الصراط المستقيم، وتخرجه من الظلمات إلى النور، وبذلك كانت الرسالات الإلهية التي تطورت وتركزت وكملت وانتهت إلى رسالة محمد (رص) .

ترى ماذا كان يتطور إليه الانسان لو لم يمد بهداية السماء! لا شك انه سيعرض بعض صور الواقع الصحيح، وبعض نواحي الخير. ويدرك بعض أسرار الجمال. ولكن إلى أي حد؟ وبعد كم من القرون والدهور؟

إن الهداية الإلهية قد عجلت بتهذيب الانسان وتطهيره. وإن المبادئ التي اشتملت عليها الشرائع عامة. كانت بمثابة بذور غرست فانبتت. وما زالت تنبت وتؤثر في الغذاء الفكري للانسان تأثيراً عميقاً، سواء أحسن الانسان بذلك، أم لم يحسن.

قد يظن الانسان انه وصل إلى ما وصل إليه من الرقى بعقله، وإن لم تكن الأديان لكان العقل ديناً وهادياً، ولكن ما هي مقاييس العقل؟ وهل كان العقل (إذا لم يلقح بهذه اللقحات السماوية) يمضي قدماً في الطريق المستقيم؟ لا يضل ولا يشقى؟ كلا ثم كلا!!. ألا ترى الأمم البدائية أو المنعزلة؟ تقيم الدهور في عزلتها، وهي ما هي عليه في أفكارها وعاداتها وتقاليدها؟ ونظرها إلى الأشياء، وإدراكها للمعاني دون أن تتطور؟ ودون أن تثبت فيها نابتة من عقله، أو إثارة من علم؟ إلا إذا جاءها ذلك من خارجها، كأن يتصل بها قوم آخرون، أو يرحل عنها بعض أبنائها ثم يعود إليها، أو نحو ذلك، ويومئذ تبدأ في تفكير جديد وتنظر إلى ما هي فيه، فتعرضه على العقل وتناقشه، وتختلف فيه خلافاً شديداً وينتهي أمرها بأن تأخذ منه، وتدع وتعدل فيه وتقوم، فربما تطورت وتطور التفكير العقلي فيها، وتطورت أساليب حياتها على نحو جديد، وما ذلك إلا لأن اللقاح فعل فعله وأثر آثاره، وإن لم يدرك الانسان في أثناء هذا التفاعل انه حاصل واقع، ماض في سبيله، موف على غايته!.

هكذا تقاس الحالة البشرية عامة، لو لم تمد بهداية السماء، إنها تكون في غيابة الجهل، ولو أنها تتحرر من هذا الجهل شيئاً بعد شيء، عن طريق الصدفة، أو التفكير العقلي، فإن ذلك يحتاج إلى أ؛قاب، وربما انقضى عمر الانسان على هذه الأرض دون أن يصل إلى الغاية الحمدية التي أرادها الله له؟.

ولنتأمل الآية الكريمة: (هل أتى على الانسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا) .

فهي تشير إلى الحقب المتطاولة التي مرت بالانسان وهو في طور الخمول، وغمرة الجهالة، حتى جاز أن توصف بهذا الوصف البليغ، فينفي عنه انه شيء في هذا الوجود يستحق الذكر!.

والانسان هو عماد هذه الأرض، وهو خليفة الله فيها، وهو أكرم مَن فيها على الله، فاذا وصف من هذا شأنه، بأنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فلابد أن يكون هذا الوصف تعبيراً عن حالة من الخمول، والضعف والتفاهة.

ثم تذكر الآية بعد ذلك خلق الانسان وأصله، والغاية من هذا الخلق، وما ركب فيه من استعداد فطري له أدوات ظاهرة من الحواس كالسمع والبصر، وتردف الآية ذلاك بنعمة الله عليه في الهداية إلى السبيل والارشاد إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، وبذر بذور المعرفة والعلم في محيطه، ينتفع بها مَن ينتفع، ويزوّر عنها مَن يزوّر، ليهلك مَن هلك عن بينة، ويحيا مَن حيى عن بينة: (إما شاكراً وإما كفوراً) ذلك بأنه لا يوصف بالشكر، ولا بالكفران إلا من علم.

من هنا يجب أن يعترف الانسان، وأن يكون خاشعاً في هذا الاعتراف بالهداية الإلهية كما هو خاضع خاشع في اعترافه بالخلق والتكوين ويجب أن لا يغره عقله، ولا تسول له علومه ومعارفه أمراً، مهما بلغ منها، فيتردد بالاعتراف بأنه محدود، وبأنه موضع فضل إلهي، وفيض رباني، بهما قوامه. وبهما عقله وبهما سموه عن كل ما خلق الله في هذا الوجود ولولاهما ما كان، ولولاهما ما صار شيئاً مذكورا!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت