فهرس الكتاب

الصفحة 2774 من 9994

ومن هنا رأينا الأمم الحديثة يعتنق كل منها فكرة، ويجعلها مذهباً له في الحياة، ويحاول حمل الناس عليها تارة بالقوة، وتارة بالدعاية.

فهذه نازية، وهذه فاشية، وهذه اشتراكية، وهذه شيوعية، وهذه ديمقراطية، وهكذا. وكل هذه أوضاع إنسانية متأثرة بما يتأثر به الانسان عادة، وليس أصحابها وواضعوها من الملائكة المقربين، ولا من القديسين المنزهين عن الأغراض والنزعات، ولذلك اختلفت، وتعاركوا عليها واحتاجوا إلى القوة في حمايتها، فلما تخلت القوة عن بعضها انهار وأصبح في عداد الذكريات التاريخية، ولو كان حقاً وخيراً لبقى وصار الجميع إليه متفاهمين.

(فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) .

فأين هذه النظم من نظم الإله السميع العليم، المنزه عن النواقص والأخطاء، الذي ينظر إلى عباده جميعاً نظرة العدل والرحمة والمساواة؟

وبعد هذا فقد وضح من كل ما ذكرنا بأن العقل وحده غير كاف (حتى في عهود الحضارة والرقى الفكري) للأخذ بيد الانسانية وتحقيق أهدافها من (الحق، والخير، والجمال) وانه لابد من الهداية الإلهية لتوسيع آفاق هذا العقل، ولكفالة استقامته، وضبط تفكيره، والحد من طغيانه.

فالهداية الإلهية أو التدين هو الشعور بالخشوع والقدسية والتعلق نحو الله (المعبود) .

ويرافق هذا الشعور مجموعة من المعتقدات والأفعال الفردية والاجتماعية.

وان هذا الشعور يستولي على النفس ظاهرها وباطنها، وعليه فالاستقرار النفسي للكثيرين من البشر يستوجب أن يكونوا متدينين.

والتدين أمر فطري عند الانسان كما تقدم.

وان الدراسات العديدة في علم النفس دلت دلالة واضحة وبرهنت على أن الاستعداد للتدين موجود فطرياً في كل فرد من الأفراد.

والحاجة إلى الدين من الأمور الطبيعية لضمان السعادة البشرية واستقرارها، وتعيين اتجاه للحياة.

ومما لا شك فيه ان الناس قد يختلفون في درجة الاستعداد للتدين فمنهم مَن له المزيد منه عن غيره.

ففكرة التطور في المعتقدات من الأمور المسلم بها فعلاً.

وان عبادة الله الواحد الأحد معناها تحرر البشرية من كل عبودية مادية، أو فردية.

فلا يعبد الانسان مخلوقاً مثله، ولا ما أوجده بنفسه، بل يعبد الله الواحد له وحده لا شريك له في ملكه، ولا شك ان هذا هو من أسمى وأرقى مراتب ودرجات النشوء والارتقاء في العبادة عند الانسان.

فالدين على ما تقدم خابط اجتماعي.

فهو من الناحية الايجابية يوجه المتدين الصادق نحو عمل الخير والمحبة والرحمة والأخوة الانسانية.

وأما من الناحية السلبية فهو يمنع الفرد من ارتكاب المعاصي والجرائم.

فالذي يخاف الله، أو الذي يحب الله، ويؤمن به وباليوم الآخر، لا يعمل الشرور ويجتنب الآثام.. الخ.

فالدافع الديني الصادق هو منبع فياض للفضيلة وعمل الخير.

والدين هو منبع الفضيلة بمعناها السامي، أي بدافع حب الخير والحق والجمال والمحبة والرحمة.

وان عمل الخير لا شك انه وجد قبل الأديان ولكنه كان بدافع الغريزة. غريزة حب البقاء.

فالانسان المتحضر في يومنا هذا لا يقل احتياجاً إلى الدين عن الانسان القديم، بالرغم من تقدم العلوم المادية، والمخترعات، واختراق الفضاء.

فالانسان اليوم إنما يشعر في قلق روحي واجتماعي لا حد له، قد يؤدي به إلى الانتحار الاجتماعي ما لم يتزود بالإيمان وما يرافقه من حب الخير والحق والحرية والجمال.. الخ.

ولهذا أخذ كبار العلماء والفلاسفة في عصرنا هذا يؤكدون على حاجة البشر اليوم إلى دين يتدين به.

فالتجدد والعصرية لا تستوجبان ترك الفضيلة أو ترك العبادة، أو عدم الخضوع للنواميس الإلهية في توجيه مصير الانسان.

فالذين تركوا الدين وراء ظهورهم وصاروا يؤلهون المادة واعتمدوا على الارهاب وخضعوا للحزب وقاداته، ألم يرجعوا بالبشرية والانسانية إلى العهود الفرعونية؟

فإن أساس الدين: الصدق والأخلاق.

ولنعلم ان الإيمان لا يمكن أن يفرض على الانسان فرضاً.

بل إنما الإيمان منحة من الله وهداية منه تعالى.

فمن لم يهتد بهدى الله فلا فائدة ترتجى من سوقه إلى الإيمان.

فالمؤمن بالله في هذا العصر والذي يشعر الفرد فيه بأنه في عالم مملوء بالتقلبات، والمصاعب، والمصائب لا يمكنه أن يشعر بطمأنينة نفسية، أو استقرار باطني ما لم يكن مؤمناً بالله حقاً.

فالفرد المتدين لا يشعر بغربة ولا وحشة في هذا الكون، بل يشعر بأنه من أهل هذا البيت.

وهو إنما وجحد ليساهم في تنفيذ إرادة الله العظمى وحكمته العليا.

والمؤمن يكون سعيداً، شجاعاً، مقداماً، مهما اعتراه من مصائب، ومصاعب.

فهو بعكس من الحد بالله والذي يستولي عليه اليأس والقنوط.

فالمؤمن مملوء بالطمأنينة والاستقرار بخلاف الملحد الذي يعلن الإفلاس الروحي أمام النكبات.

وذلك لأنه لا يعرف الملحد للحياة قيمة ولا معنى خارج وجوده الحيواني.

وعليه نلاحظ نفس الحالات العصبية في هذا الزمان بين مَن تضعف فيهم الروح الدينية، الأمر الذي قد يؤدي إلى الجريمة والانتحار!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت