وحذاري يرحمُك الله أن يستخفنَّك الشيطان, ويقولُ لك أبناؤك صغارٌ لا يفهمون، والزوجةُ كبيرةٌ وعاقلة, كلاّ الصغار يفهمونَ ويقلدون, وعن قريبٍ سيكبرون, وأمَّا الزوجةَ وغيرها فإن ابنَ مسعودٍ صاحبَ رسولِ الله r يقول: (( من كان مستناً فليستنَّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمنُ عليه الفتنة ) ).
أيها المسلمون: لنغتنم فرصةَ العشرِ المباركات من ذي الحجة، فإنَّها أفضلُ أيامِ السنةِ كلٍّها, وما من عمل أحبُ إلى اللهِ من العملِ في هذه الأيامِ العظيمة فينبغي للمسلمين جميعاً أن يستثمروا هذه المواسمَ الخيرة بصالحِ الأعمال, وعلى رأسِها التوبةِ النصوح ممَّا اقترفتهُ أيديهُم من الذنوبِ والخطايا, وعلى رأسِها وجودِ تلك الأجهزةِ الهدامة, والوسائلِ المدمرة من القنواتِ الفضائية وأشرطةِ الفيديو والغناء, ومحلاتِ الفسقِ والمجون .
علينا معاشرَ المسلمين جميعاً ,حكاماً ومحكومين, أمراءً ومأمورين, أن نتقي الله عز وجل، فإنْ كنَّا صادقين في حفظِ مجتمعاتِنا من الزنا والشذوذ، والجرائم والمخدرات، فلنقضِ على أسبابِها وبواعثِها, إلا أنَّ أعظمَ أسبابِها تلك المجلاتُ والأفلامُ, والخمور .
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين .
وأرضى اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون
الحمدُ لله الذي حببَ إلينا الإيمانَ وزينهُ في قلوبنا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريكَ لهُ، المؤملُ لكشفِ كروبنا، ومغفرةِ ذنوبنا، وأشهدُ أ نَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ من وقرَ الإيمانُ في قلبهِ وغفرَ لهُ ما تقدمَ وما تأخرَ من ذنبهِ r أما بعد:
فيا أيُّها الناسُ اعبدوا ربَّكم الذي خلقكم والذين من قبلِكم لعلكم تتقون 0
يُؤذِّنُ المؤذنُ للصلاةِ فنجدُ في أنفسنا تثاقلاً وبَعدَ جهادٍ ومُجاهدةٍ نقومُ إلى الصلاةِ، وندخلُ المسجدَ وكأننَّا طيرٌ في قفص، ونُؤدي الصلاةَ بأجسادٍ بلا روحٍ، وحركاتٍ مجردةٍ من الخشوعِ وأحدُنا لا يُبالي أن يتحدثَ مع زميلهِ واقفاً رُبَّما لساعةٍ أو أكثر، ويا ويلَ الإمامُ والخطيبُ إن أطالَ ولو قليلاً، فإنَّهُ حينئذٍ في نظرهم من المنُفرين ، تلكَ صورة 0
نقرأُ القرآن الذي لو أُنزل على جبلٍ لرأيتهُ خاشعاً مُتصدعاً من خشيةِ الله، فلا تُحدث قراءتهُ في القلبِ لنا خشوعاً، ولا تجري من أعيُننا دموعاً، لأنَّها تلاوةً مُجردةً من التدبرِ والتفكر، وتلك أيضاً صورة 0
نصومُ رمضانَ شهراً كاملاً ، شهرٌ حافلٌ بأنواعٍ من العباداتِ، كفيلةً بتغييرِ مجرى القلوبِ لو كانت حيَّةً، ومع ذلكَ ينتهي الشهرُ كما بدأَ بدونِ أن يُحدثَ في إيماننا أثراً أو يُورثَ عندنا تقوى 0
نحجُّ بيتَ اللهِ الحرام، ونقفُ هناكَ مواقفَ إيمانيةٍ تهتزُّ لها القلوبُ، وتتحركُ عندها المشاعر، ومع ذلك نرجعُ من حجِّنا وليسَ فينا من آثارهِ إلاَّ حلقُ الشعورِ، أما الشعورَ بتجددِ الإيمان فلا شُعور، نرجعُ من حجِّنا وكلُّ حديثِنا عن مُغامراتنا في رميِّ الجمرات، وفي سُرعةِ النفرةِ من عرفاتٍ وتلك صورة .
إلى صورةٍ أخرى: ذكرُ الله الذي قال فيه r: (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعنا قهم ويضربوا أعناقكم ذكر الله ) )هذا الذكرُ أصبحَ كلماتٌ تُرددُ على الألسنةِ دُونَ استشعارٍ لمعناها، وإدراكٍ لآثارها، إذا كانت المجالسُ عامرةً بالغيبةِ واللغوِ والرفثِ، طابَ بها المقامُ وصعبَ منها القيام، ولو كان مجلسُ ذكرٍ وتعظيمٍ للملكِ العلاَّم، لرأيتَ التثاؤبَ وقلةَ الراغبِ، ولرأيتَ من يرددُ: ساعةً وساعة ، وإنَّ الله لا يملَّ حتى تملوا 0
لا بأسَ عندنا في الجلوسِ أمامَ الشاشاتِ ومتابعةِ المباريات، ولو كان الوقتُ ساعاتٍ، فإذا نادى مُنادي الرحمن إلى الصلاةِ، اشمأزت القلوبُ، وثقلتِ النفُوسُ، واشتدت الكروب 0
تلكُمُ أيُّها المسلمونَ بعضُ صُورٍ لداءٍ خطيرٍ، ووباءٍ وبيل، هو فقدُ لذةِ العبادةِ، وحلاوةُ الطاعةِ، وطعمُ الإيمانِ، وتلكَ واللهِ مصيبةٌ ، وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من أن نأنسَ بالشهواتِ، وتثقلَ علينا العبادات ، وأيُّ مصيبةٍ أجل من أن تُؤدى العباداتِ بأيِّ صورةٍ كانت، ولو كان أداءً آلياً بغيرِ روح، أو أداءً تقليدياً يُحركهُ الحرصُ على التقاليدِ أكثرَ ممَّا يُحركهُ الدافعُ إلى عبادةِ الله 0
نحنُ أيُّها المسلمونَ واللهِ محرومونَ يومَ أن نفقدَ روحُ العبادةِ، وسببُ السعادةِ ، لماذا لا نشعرُ بالراحةِ التي وجدها r في الصلاةِ حينما جعلَها قُرةَ عينٍ وراحةَ بالٍ، فيقولُ لبلال: (( أرحنا بالصلاة ) )ويقولُ: (( جعلت قرة عيني في الصلاة ) )لماذا لا نشتاقُ إلى الصلاةِ وتصبحَ القلوبُ معلقةً بالمساجدِ كما كانَ قائلُ السلفِ يقولُ: (ما صليتُ صلاةً إلاَّ واشتقتُ إلى ما بعدها ) وحتى كانَ أحدُهم يأتي إليَّها يُهادى بين رجُلين ، لماذا لا نشعرُ بالجنةِ وندخلُ البستانَ الذي دخلهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ حين قالَ: ( أنا جنتي وبستاني في صدري ) وقال: ( إنَّ في الدنيا جنةً من لم يدخُلها لم يدخل جنةَ الآخرة ) 0
أينَ الشعورُ بلذةِ العبادةِ التي وجدَها السلفُ يومَ أن قالَ قائلهم: ( إنَّهُ لتمرُ بالقلبِ أوقاتٍ أقولُ فيها إن كانَ أهلُ الجنةِ في مثلِ هذا إنَّهم لفي عيشٍ طيب ) ز
ويقولُ الآخرُ: ( مساكين أهلِ الدنيا، خرجُوا من الدنيا وما ذَاقوا أطيبَ ما فيها ، قالوا: وما أطيبَ ما فيها ؟ قال: محبةُ اللهِ والأنسُ به، والشوقُ إلى لقائهِ والإقبالُ عليه، والإعراضُ عمن سواه ) .
لماذا لا نشعرُ بنعيمِ الطاعةِ الذي شعرَ بهِ أسلافُنا يومَ أن قالَ أحدُهم: ( لو يعلم الملوك وأبناءُ الملوكِ ما نحنُ فيه من النعيمِ لجا لدُونا عليهِ بالسيوفِ ) .
لماذا عدِمنا صورَ التنافسِ في الخيراتِ، والتسابقِ إلى الطاعاتِ، حتى عندَ شبابِ الصحوةِ، فأصبحت لا تستغربُ شاباً ملتزماً يأتي إلى الصلاةِ عند الإقامة ، ورُبَّما فاتهُ شيءٌ منها ، وحتى في يومِ الجمعةِ قلَّ من يُقربُ دجاجةً ، بل بيضةً فضلاً عن أن يقربَ كبشاً أو بقرةً أو بدنةً 0
نعم لم يعد للعباداتِ عندنا طعمٌ ولا لذة ، وإنَّما أصبحت مُجردَ حركاتٍ تُؤدى دُونَ أن يُصاحِبها استشعارٌ لعظمةِ الله، والتذللِ لهُ، والاستسلامِ له، والاستشعارِ للثوابِ والعقاب0