فهرس الكتاب

الصفحة 8645 من 9994

ليبقى البالغون بعد ذلك, وقد ساغ لهم مشاهدةُ تلك المشاهدِ القذرة, بموجبِ فتوى التلفاز الفرنسي, ماذا سيقدمُ لنا البثُ الفضائيُ الأمريكي غيرَ البرامجِ المدمرةِ للحياء, الخادشةِ للأدبِ والحشمة, كذلك البرنامج السخيف الذي يلقي فيه مُقدمةُ البرنامج, بمجموعةٍ من الرجالِ والنساءِ المتزوجين, تسأل كلاً منهم أمامَ الجمهور, عمَّا يجري بينهم في غرفِ نومهمِ وفوق أسرتهِم, وسطَ ضحكاتِ الجماهير, نشوةً وطرباً, ومجوناً وعهراً ؟! , ماذا سيقدمُ لنا البثُ الفضائيُ الأجنبي غيرَ أفلامِ العنفِ والجريمة، وتجارةِ الخمورِ والمخدرات, ولقطاتٍ صُوِّرت على شواطئِ البحارِ وضفافِ الأنهار, حَيثُ الأجسادُ العارية, والمشاهدُ الفاضحة ؟! , وأمَّا البثُ الفضائي من الدولِ المنتسبةِ إلى الإسلام، فلا يقلُ شراً عن سابقه, ولا يتوارى خجلاً من سالفهِ, بل إنَّنا لا نعدو الحقيقة إذا اعتبرنَا هذا النوعَ من البث أشدُّ خطراً, وأعظمَ ضرراً، بسببِ عاملِ اللغةِ المشترك, وتقاربِ الثقافات، ثم إنَّ ما يعرضهُ أولئك إنَّما يوحونَ من خلالهِ إلى المُشاهدِ المخدوع، أنَّ ذلك لا يتعارضُ مع الإسلام, ولا يصطدمُ مع الآدابِ والقيم, دعونا من مسلسلاتِ الحبِّ والغرام, فهي أشهرُ من أن تذكر، وأكثر من أن تحصى, وهي معروفةٌ بقذارتِها من عشراتِ السنين, فلا داعي للحديثِ عن مشاهدِ العُريِّ والخلاعة, وحلباتِ رقصِ العاهرات أمام الشبابِ العربيِ المُخدَّر, ولا عن كؤوسِ الخمرِ المزدحمة فوقَ موائدِ اللئام, لكنَّنا نُشيرُ على عجلٍ إلى ما يحاولُ المجرمون فرضَه, وإقناعَ الناس به من المفاهيمِ المنكوسةِ، والسلوكياتِ الماجنة، في قالبٍ من الخداعِ والمكرِ العظيم , فلا مانعَ لدى القائمينَ على تلكَ المسلسلاتِ الماجنةِ والتمثيلياتِ الهابطة ، على سبيل المثال, أن يدخلَ على المرأة رجلٌ أجنبيٌ عنها, وأن يخلوَ بها الساعاتِ الطوال .

تأمل رحمك الله، من خلال المشهدِ التالي كيف تمكنَ المخرج من إيصالِ الفكرةِ التي يريد إلى ذهنِ المشاهد وعقلهِ الباطن, دون أن يَشعرَ المشاهدُ المخدوع بشيءٍ من ذلك البتة، هذا أحدُ الممثلين يجدُ زوجَته مع رجلٍ أجنبيٍ في بيتهِ لوحدها, فيستشيطُ غضباً, ويمتلأُ حنقاً, لا لأنَّ الرجلَ خلا بزوجتهِ كلا كلا فتلكَ قضيةٌ ليست ذاتَ بالٍ, ولكنَّه غضب، لأنَّه يكرَهُ هذا الرجلَ بالذاتِ ولا يحبه, ماذا يوحي هذا المسلسلُ وأمثالُه إلى المشاهدِ المخدوع. وماذا يقذفُ في ذهنهِ وباطنِ شعوره من المفاهيم ؟! ألا يُوحي مسلسلٌ مثل هذا إلى الرجالِ والنساء في آنٍ واحد، أنَّه لا بأسَ بخلوةِ الذكورِ بالإناث, وأنَّه لا مانعَ من استضافةِ المرأةِ للرجلِ الأجنبيِ في بيتها، حتى ولو كانت المسافةُ الفاصلةُ بينهما وبين غرفةِ النوم ثلاثةَ أمتارٍ أو تزيدُ قليلاً, وأما قضيةُ الحجاب ومحاولةُ اعتبارهِ جزءً من التقاليد البالية والأيامِ الخالية, أو على الأقل هو غطاءُ الرأس وللعجائزِ فقط, فالمسلسلاتُ التي تحاولُ فرضَ هذا المفهوم لا تُعد ولا تحصى, وهاكم مثالاً: هذا ممثلٌ يدخلُ المنزل فتسارع الأمُ العجوز إلى تغطيةِ رأسها، أما البنتُ الشابة ذاتُ العشرينَ عاماً فظلتْ سافرةَ الوجه، حاسرةَ الرأس، تتغنج بضحكاتِها, وتتشدقُ بعباراتها, فأيُ مفهومٍ يحاولون فرضَه وتعميمه من خلالِ هذه المسلسلات ؟! نترك الإجابةَ للأذكياءِ فقط .

أيها المسلمون: وقد يعترفُ بعضُ المبتلينَ بهذه الأجهزةِ المدمرة بخطورتِها وشدةِ تأثيرِها, لكنَّهم يتمسكونَ بحججٍ واهية, ولقد استمعنا إلى حججِهم كثيراً, فما وجدناها تزيدُ على حجتينِ واهيتينِ وهباءتين اثنتين .

أما الأولى: فيحتجُ بعضهم بأنَّه قد وضَعَ الطبقَ الفضائي لمتابعةِ الأخبارِ العالمية, ومشاهدةِ الأحداثِ الدولية, ولنا أن نتساءل هل توازي هذه المنفعةُ المغمورةُ - إن اعتبرناها منفعة -بحرَ المفاسدِ الَّلا متناهية ؟! ماذا توازي بضعُ أنباءٍ متناثرة يمكنُ الاستماعُ إليها عبر ألفِ محطةٍ إذاعية, ماذا توازي أمام سيلٍ جارفٍ من الأفلامِ والمسلسلاتِ, والبرامجِ المدمرة ؟! ثم إذا كان هدفُك متابعةَ الأحداثِ العالمية، واستماعَ الأنباءِ الدولية ؟! فهلْ هذا هو هدفُ جميعِ من في البيتِ من بنينَ وبنات, وذكورٍ وإناث ؟! ألا يوجد في البيت مراهقونَ ومراهقات ؟! ألا يوجدُ في البيت من تثورُ شهوتُه, وتهيجُ نزوته ؟! هيئ إجابات لهذه الأسئلة يوم تقف بين يدي الله الواحد الجبار .

وأما الحجة الثانية: التي يتشبثُ بها أربابُ القنواتِ الفضائية, فهي دعوى التحكمِ في الجهاز, فلا يُبثُ إلا ما يَشاء, ولا يُعرضُ إلا ما يُريد بفضلِ الحراسةِ الصارمةِ, والمرابطةِ المستمرة أمامَ أزرةِ الجهاز ؟! فهل يعقلُ هذا يا مسلمون ؟! ألا يذهب هؤلاء المدَّعون إلى أعمالِهم ودنياهم بضعَ ساعاتٍ كلَّ يوم, فإن كانوا بدنياهم زاهدين, وعن الوظائف معرضين, ألا تجهدهم طول الحراسةِ لتلك الأجهزة فيحتاجون للنوم ولو لبضعِ ساعات من ليلٍ أو نهار ؟ كفى ضحكاً على أنفسِنا ؟: (( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) ).

أما المثقفون إياهم, فقد صمتوا دهراً, ونطقوا عهراً, فكتبَ أحدُهم مرحباً بالبثِّ المباشر, ثم أخذَ يلفُ ويدور, ويلثُّ ويعجن، ثم يعلنُ مُطمِئناً لا تخافوا من البثِّ الأجنبي, فقد طفتُ أمريكا وأوربا كلَّها - والحديثُ له - ولم أجدْ فيها ما يخدشُ الحياء, أو ما يفسدُ الأخلاق: (( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) ).

ويعترفُ آخر، بخطورةِ البث الفضائي, ولكنَّ الحلَّ في نظرِه بتطويرِ البثِ المحلي, لإشباعِ رغباتِ الجمهور على طريقةِ بيدي لا بيد عمرو .

هكذا يميعونَ القضايا، ويُهمشون الفواجعَ, لتتحققَ مآربُهم في التضليلِ والإغواءِ, وتُلبَّى مطامعهم، من الفواحش والآثام .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,

أمَّا بعدُ:

ففي سنواتٍ محدودةٍ, أثمرتْ هذه القنواتُ المشؤومةُ ثمراتِها المرة، وتجرع بعضُ أولئكَ المبتلينَ بها ما جنتهُ أيديهم, فهذا مراهقٌ تثورُ شهوته فلا يجدُ في البيتِ غيرَ أخته, فيفجرُ بها ويرتكبُ ما حرمَ الله، مع أقربِ النَّاس إليه وتلك طفلةٌ صغيرة تذهبُ بها أمُها إلى المستشفى, فإذا التقاريرُ المخبرية تبشرُ الأمَّ بأنَّ طفلتَها حاملٌ من الزنا ؟!

وذلك غلامٌ يتعلمُ شربَ الخمر من الأفلامِ والد شوش، فشربَ حتى فقدَ عقلَه وصوابَه فانقضَّ على أمه - نعم على أمه - لتحدثَ الكارثة وهناك عشرات القَصَص المرة, يشيبُ من هولها الولدان .

فاتق الله أخي المسلم, وأخرجْ هذا الجهازَ الهدَّام من بيتك، طاعةً للهِ ولرسولهِ, وصوناً لعرضك وعرضِ أبناءك, وقبلَ أن تُبتلى - وقاك الله - بما ابتُلي به غيرُك, فتعضَّ أصابعَ الندم, وتبكي بدلَ الدموعِ دماً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت