الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إن الله تعالى أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وجعل دينه المهيمن على كل الأديان قال تعالى:وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ1. وبين الله تعالى في كتابه الكريم أنه لن يقبل من أحد غير دين الإسلام الذي بعث به رسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام قال تعالى:وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ2. فليست هناك مساومة بين الإسلام وبين أي دين آخر: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ3 واليوم نسمع عمن يدعو إلى ما يسمى بوحدة الأديان ونسمع عن جملة من المؤتمرات التي تعقد بدعوى التفاهم الإسلامي النصراني ويحضر هذه المؤتمرات مندوبون عن مختلف الأديان المنتشرة في العالم، سواء كانت أديانًا ذات أصل سماوي، أو أديانًا أرضية، كالبوذية والهندوسية، ويشارك في هذه المؤتمرات حاخامات يمثلون الديانة اليهودية، وقساوسة يمثلون الديانة النصرانية، كما يشارك فيها مشايخ رسميون يمثلون الإسلام!!. وتُعدُّ في هذه المؤتمرات أوراق عديدة، من قِبَلِ يهود أو نصارى أو مسلمين أو آخرين، وتُلقى محاضرات عديدة، وتعقد ندوات كثيرة، يؤكد المتحدثون فيها على الأمور المشتركة بين الديانات، ويطالبون بالتعاون والتنسيق بين أصحابها لتحقيق أهداف مشتركة للمشاركين والمتحدثين.
بعض ما يجري في مؤتمرات الأديان:
ويقدم ممثلو كل دين أنفسهم للمؤتمرين أنهم على حق وصواب، وأن دينهم الذي يدينون به دين صحيح مقبول عند الله، وأن أتباعه مؤمنون موحدون، وهم خالدون في الجنة في الآخرة، سواء كان ذلك الدين يهودية أو نصرانية أو هندوسية أو بوذية، أو قاديانية أو غير ذلك.
ويتعامل المؤتمرون في هذه المؤتمرات مع الإسلام كما يتعاملون مع أي دين آخر على قدم المساواة، ويقولون: الإسلام حق وصواب، واليهودية حق وصواب، والنصرانية حق وصواب!!! ويوافق المشايخ المشاركون في هذه المؤتمرات على هذه الطروحات والأفكار، ويعلنون اعتراف الإسلام باليهودية والنصرانية، وأن هاتين الديانتين صحيحتان ربانيتان، وأن أتباعهما مؤمنون موحدون، وأنهم على صواب، وأنهم من أصحاب الجنة، وأنهم جميعًا أبناء إبراهيم عليه السلام! ويستشهد هؤلاء المشايخ وغيرهم من المسلمين المتحدثين في هذه المؤتمرات بآيات من القرآن، وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث عن التوراة والإنجيل، والحديث عن موسى و عيسى وغيرهما عليهم الصلاة والسلام، والثناء على مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى!!
مشاركة بعض المسلمين فيها بسذاجة أو خبث:
وبدايةً نقرر أن هذه المؤتمرات العالمية حول وحدة الأديان، وتعاون أتباعها لتحقيق السلام ومواجهة الإرهاب مؤتمرات مشبوهة يعدها ويرتب لها خبثاء ماكرون من اليهود والماسونيين والصليبيين لتحقيق أهداف اليهودية العالمية في السيطرة على العالم، واستغفال الآخرين وخداعهم. وليست المشكلة عند الذين يرتبون لهذه المؤتمرات من اليهود والماسونيين؛ فإنهم يحققون أهدافهم الشيطانية منها، وهم يخدمون شياطينهم ومخططاتهم في ذلك؛ ولكن المشكلة عندنا هي في أولئك المشايخ والكتاب والمفكرين المسلمين من ذوي الأسماء اللامعة، والمراكز العالية الذين يشاركون في هذه المؤتمرات، ويسمعون كلام ممثلي الأديان الأخرى، ويوافقونهم عليه، ويقبلون أن يتعاملوا مع الإسلام كما يتعاملون مع اليهودية والنصرانية على قدم المساواة والاعتراف!! إنهم يشاركون في هذه المؤتمرات بسذاجة وغفلة وبلاهة، وبعضهم يعرف حقيقة أهداف القائمين عليها، ويوافقهم عليها، ويشارك فيها بخبث وسوء نية! والكلام الذي يقدمه هؤلاء المشايخ في المؤتمرات كلام باطل، وفهمهم للآيات والأحاديث التي يقدمونها خاطئ، وهم يحرفون معانيها، ويخرجون بها لتكون شاهدة لأهداف المؤتمرات الخبيثة! وعندما تناقش هؤلاء المشايخ والمفكرين المسلمين في أفكارهم، وتنتقدهم في مشاركاتهم يحتجون بآيات من القرآن، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: أليست آيات القرآن تدعونا إلى مجادلة أهل الكتاب ومحاورتهم ؟ ألم يوجه القرآن الدعوة إلى أهل الكتاب ؟ ألم يحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب ؟ نقول لهم: نعم! لقد دعا القرآن إلى مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ولقد دعا القرآن أهل الكتاب إلى كلمة سواء، ولقد حاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب، ودعاهم إلى اتباع الحق والدخول في الإسلام! لكن أين هذا مما أنتم تشاركون فيه وتدعون إليه ؟ شتان ما هما!
الرسول صلى الله عليه وسلم يطبق دعوة القرآن إلى كلمة سواء:
الدعوة الموجهة إلى أهل الكتاب للتفكير في كلمة سواء، دعوة قرآنية صريحة، لكنها دعوة لها شروط، لا بد من تحققها وإلا فقدت الدعوة معناها وهدفها، وكان القرآن دقيقًا في تحديد شروط الدعوة وأهدافها!!
قال الله عز وجل: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} 4 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من طبق مفهوم هذه الآية، والتزم بشروطها عندما وجه الدعوة إلى أهل الكتاب، وبلَّغهم الإسلام، وأقام عليهم الحجة: ففي صيف السنة السابعة من الهجرة وبعد صلح الحديبية وجَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى حاكم أقوى دولة نصرانية وأكبرها هرقل زعيم الروم، وسجَّل في كتابه له هذه الآية، وطالبه بالدخول في الإسلام، وحمَّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كتابه الصحابيَّ: دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه وكلفه بالذهاب إلى هرقل وتبليغه الدعوة! ولما وصلت الدعوة إلى هرقل أوشك أن يستجيب لها ويسلم، لكنه آثر ملكه وسلطانه فرفضها، وقد ذكر الإمام البخاري تفاصيل الحوار بينه وبين أبي سفيان حول ذلك.
حقائق من كتاب الرسول إلى هرقل:
ومن الواضح في نص كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل أنه لا ينظر لدين هرقل النصراني على أنه مساوٍ للإسلام في الحق والصحة كما يفعل المشاركون في مؤتمرات الأديان وإنما اعتبر أن الإسلام وحده هو الحق والصواب، وأن النصرانية دين باطل منسوخ مردود، ولذلك لا بد أن يتخلى عنه أصحابه، ويتبعوا الإسلام.