فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 9994

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحًا في دعوة هرقل إلى الدخول في الإسلام: أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم5. فإن لبى هرقل الدعوة ودخل في الإسلام فإن الله يؤتيه أجره مرتين وليس مرة واحدة: مرة لإيمانه بعيسى ابن مريم عليه السلام، ومرة لإيمانه بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن رفض الدعوة للدخول في الإسلام، وأصر على البقاء على نصرانيته فسيكون ضالًا كافرًا خاسرًا، وسيحمل إثم الأريسيين من شعبه وقومه، لأنه بكفره يكون قد صدهم عن الدخول في الإسلام!6.

حقائق قرآنية من الدعوة إلى كلمة سواء:

وعندما نمعن النظر في الآية موضوع الكلام، فإننا نأخذ منها ما يلي: {قل} 7 هي: قل التلقينية فالله هو الذي يلقن رسوله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، ويأمره أن يقول هذا القول لأهل الكتاب، فالله هو الذي يوجه الدعوة إلى أهل الكتاب للدخول في الإسلام، والله هو الذي يحدد الشروط الضرورية لهذه الدعوة، وهذا معناه أن هذا الموضوع موضوع رباني، وليس اجتهادًا بشريًا خاضعًا لأهواء البشر، أو متأثرًا بأهوائهم وتقلباتهم! هذا الأمر {قل} ليس موجهًا للرسول صلى الله عليه وسلم وحده، وإنما يتعداه ليشمل كل مسلم من بعده، قادر على محاورة أهل الكتاب، ودعوتهم إلى الإيمان؛ لأنه من المعلوم أن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن خطاب لأمته، ما لم يقم دليل على تخصيصه به.وقوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ} 8 المراد بأهل الكتاب في القرآن اليهود والنصارى فقط، وهذا المصطلح وقف عليهم. لأن الله أنزل لكل طائفة منهم كتابًا؛ حيث أنزل التوراة على موسى عليه السلام وأمر بني إسرائيل باتباعها، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام وأمر النصارى باتباعه. ولكن اليهود لم يتبعوا كتاب الله التوراة، وإنما حرفوها وبدلوها فنسخها الله، والنصارى لم يتبعوا كتاب الله الإنجيل، وإنما حرفوه وبدلوه، فنسخه الله، ووصف الفريقين بالكفر في آيات صريحة في القرآن، منها قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ} 9.

المسلم يوجه الدعوة ويضع الخطة:

يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يأتوا إليه، للاتفاق علىكَلِمَةٍ سَوَاءٍ بينه وبينهم. وكونه هو الذي يوجه لهم الدعوة: {تَعَالَوْا} يدل على أنه هو صاحب الأمر والنهي، وأنه هو الذي يقرر ويوجه، وأنه هو الذي يضع الأهداف ويحدد الشروط والمواصفات، وأن اليهود والنصارى مدعوون للمشاركة والمجادلة والحوار، والالتزام بخطة صاحب الدعوة وبرنامجه.

وهذا من صلاحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الذي على حق، ورسالته حق، ودينه حق، ودعوته حق، وهم على باطل، ولا بد أن يحاورهم ليقيم عليهم الحجة، ويتخلوا عما هم عليه من باطل، ويتبعوا ما معه من حق. وهذا ليس خاصًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ينطبق على كل إمامٍ أو سلطانٍ للمسلمين من بعده، وكل عالم أو مفكر أو داعية من بعده! فالأصل أن تصدر الدعوة إلى أهل الكتاب من المسلمين، وأن يضع برنامج المؤتمر المسلمون، وأن يعد الكلمات والمحاضرات المسلمون، بهدف الحوار والنقاش، وتقديم الإسلام الحق لأهل الكتاب! وهذا مفقود في مؤتمرات الأديان المشبوهة!!

والكلمة السواء هي الكلمة المستوية العادلة، ولن تكون مستوية عادلة إلا إذا انطلقت من الحق، والتزمت بالحق، وكان هدفها بيان الحق والاحتجاج له والبرهنة عليه، ونقد الباطل وتزييفه.

شروط قرآنية ثلاثة للكلمة السواء:

وقد فسرت الآية الكلمة السواء المقصودة من الدعوة تفسيرًا محددًا، وذلك في: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} 10.

إن المؤتمرات الحوارية مع أهل الكتاب لا بد فيها من الالتزام بشروط ثلاثة،: الأول: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ} عبادة الله وحده، وعدم عبادة مخلوق غيره، وهذا غير موجود عند اليهود والنصارى؛ فهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ولكنهم يعبدون معه غيره من أحبارهم ورهبانهم. الثاني {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} عدم الإشراك بالله، وعدم تأليه غيره من المخلوقين، وهذا موجود عند اليهود والنصارى؛ فاليهود يقولون: عزير ابن الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله، ويعبدون آلهة ثلاثة، يسمونها:"الأقانيم"الثلاثة الأب والابن والروح القدس وهذا شرك منهم بالله.

الثالث: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} عدم الاعتراف بالربوبية لغير الله، وعدم قبول تشريع غير الله، وهذا غير موجود عند اليهود والنصارى؛ فهم يزعمون إيمانهم بالله رب العالمين، لكنهم مع ذلك يتخذون أربابًا غيره من أحبارهم ورهبانهم. وأخبرنا الله عن ذلك بقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 11.فالمسلمون وحدهم هم الذين: لا يعبدون إلا الله، ولا يشركون به شيئًا، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.

نتيجة المؤتمرات: الجهر بالإسلام وكفر غير المسلمين:

وهدف مؤتمرات الحوار مع أهل الكتاب التي ينبغي أن يُعِدَّ لها المسلمون أنفسَهم تخلي اليهود والنصارى عن الشرك بالله وتأليه غير الله أو ربوبيته، وعبادة الله وحده، ولن يكون هذا إلا بتخليهم عن دينهم المحرف الباطل المنسوخ، والدخول في الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} 12 تُقدِّم هذه الجملة من الآية الحل الصحيح للمسلمين المشاركين في مؤتمرات الحوار مع أهل الكتاب، فإن رفض أهل الكتاب قبول الأمور السابقة التوحيدية، وتولوا عن الحق، وأعرضوا عن الدعوة، وأصروا على يهوديتهم ونصرانيتهم فعلى المسلمين أن يكونوا صريحين معهم، وأن يخاطبوهم قائلين: {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} .

إنهم يجهرون بإسلامهم معتزين، وهذا معناه أنهم وحدهم المسلمون، وأن اليهود والنصارى ليسوا مسلمين، ومن ثَمَّ ليسوا موحدين لله، وليسوا على حق، وإنما هم كافرون، ومتبعون للباطل. هذا هو توجيه القرآن للمسلمين عندما يدعون أهل الكتاب إلى كلمة سواء، وهكذا فلتكن مشاركة المفكرين المسلمين في مؤتمرات الأديان، فإن لم تكن المشاركة هكذا على أساس توجيهات القرآن فلا تجوز، لأن المشاركين المسلمين حينئذ يكونون شهود زور!!!13 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ملحق بدرس وحدة الأديان:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

نظرًا لأهمية هذا الموضوع رأينا أن نلحق به فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت