أيها المسلمون، يا إخواننا في غزة الصمود، اتفقوا على الحد الأدنى من القواسم المشتركة بينكم، هل صحيح أنه لا توجد بينكم قواسم مشتركة؟! نحن مقتنعون تماما بأن القواسم المشتركة أكثر بكثير من القضايا العالقة والمختلف عليها، يكفي أن عقيدة الإسلام تجمعنا، ويكفي أننا نتوجه إلى قبلة واحدة في صلاتنا، ويكفي أن فلسطين المقدسة تظللنا، ويكفي أن الأقصى المبارك تاج رؤوسنا. ونكرر ما قلناه في خطب سابقة: كونوا على قدر من المسؤولية، ضعوا المصلحة العامة فوق الاعتبارات الفصائلية أو الحزبية أو الشخصية. وإننا لمنتظرون، وفقكم الله لما فيه خير البلاد والعباد.
وقد بدت خلال هذا الأسبوع بوادر الانفراج إن شاء الله، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا [فصلت:30] .
الخطبة الثانية
أيها المصلون، يكثر التساؤل بشأن صيام التطوع في شهر شوال: هل يشترط التوالي والتتابع في صيام الستة من شهر شوال أم لا؟ والجواب: يقول رسولنا الأكرم محمد: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر ) ). فهذا الحديث الشريف جاء بصيغة مطلقة، ولم يشترط التتابع والتوالي في الصوم، فيجوز التفريق بين أيام الصيام خلال شهر شوال. وبهذا نفتي والله أعلم.
وسؤال آخر يتعلق بصيام النساء: ما الأفضل البدء بقضاء صوم الأيام عن الحيض أو النفاس أم البدء بصيام التطوع في شوال؟ والجواب: الأولى والأفضل البدء بصيام التطوع في شهر شوال؛ لأن الأيام الستة محصورة في شهر واحد، هو شهر شوال، أما بالنسبة لقضاء الصيام فهناك متسع من الوقت حتى نهاية شهر شعبان إن شاء الله. وبهذا نفتي والله أعلم.
أيها المسلمون، يا أبناء بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، نشرت الصحف العبرية خلال هذا الأسبوع دعوات مشبوهة ومخططات عدوانية لبناء كنيس يهودي في باحة المسجد الأقصى المبارك، وهذه المخططات العدوانية قديمة جديدة، تثار بين الفينة والأخرى؛ لجس نبض المسلمين من قبل جمعيات يهودية وكهنة وحاخامين يهود، والآن ينادون بالإسراع في تنفيذ مخططات لبناء كنيس يهودي.
ونقول من على منبر المسجد الأقصى: إن الذين يلعبون بالنار لا يدركون عواقب الأمور، ولا يدرون بأن النار ستحرقهم قبل أن تحرق غيرهم؛ مؤكدين للمرة تلو المرة بأن المسجد الأقصى المبارك بمساحته لن نتنازل عن ذرة تراب منه، ولا نُقر ولا نعترف بأي حق لليهود في هذا المسجد. وعليهم أن يبتعدوا عن المسجد، ولا يفكروا فيه إن أرادوا تهدئة الأوضاع، ومؤكدين أيضا أن الأقصى ليس لأهل فلسطين وحدهم، وإنما هو لجميع المسلمين في أرجاء المعمورة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
ونحمل السلطات الإسرائيلية المحتلة المسؤولية عن أي مس بحرمة المسجد الأقصى المبارك، لتهاونها وعدم محاسبة أولئك الذين يطرحون المخططات العدوانية. والملاحظ أن الجماعات اليهودية المتطرفة تصول وتجول دون حساب ولا عقاب، مما يشجعها على التمادي في محاولاتها العدوانية والاستفزازية، ونحن على يقين أن المسلمين المصلين حريصون كل الحرص على مسجدهم المبارك، فهم يعمرونه بالصلاة فيه والتردد عليه، ويحمونه من أي خطر محتمل.
الحمد لله الأولِ والأخرِ، الباطنِ الظاهرِ، الذي هو بكلِ شيءٍ عليم، يعلمُ دبيبَ النملةِ السوداءِ، على الصخرةِ الصماءِ، في الليلةِ الظلماءِ، يعزُ من يشاءُ ويذلُ من يشاءُ، خلقَ كل شيءٍ فقدرهُ تقديرا، والصلاةُ والسلامُ على خيرِ الأنامِ محمدِ بن عبد الله النبيِ الأميِ، بلغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمةَ وجاهدَ في اللهِ حقَ جهادِه، تركنا على المحجةِ البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغُ عنها إلا هالِك.
(( يَا أَيُّهَا الَّذِييَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ) (سورة آل عمران:102) .
أما بعد:
فإنَّ الصراعَ بين الحقِ والباطلِ سنةٌ لله في أرضِه، وأينما وُجدَ الإنسانُ وُجدَ الصراع، (( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ) (سورة البقرةِ:251) .
ويتنوعُ هذا الصراعُ، ويأخذُ أشكالاً مختلفة، إلاَّ أنهُ تزدادُ ضراوتُهُ، ولا يرجى زوالهُ إذا كان صراعاً دينياً مبنياً على اختلافٍ في العقيدة.
كل العداواتِ قد ترجى مودتُها إلاَّ عداوةَ من عاداك في الدين
وعند نزول الوحي على رسول الله r، (( انطلقتْ به أمُ المؤمنينَ خديجةُ -رضي الله عنها- إلى ورقةَ بنِ نوفَل فقال ورقة: ياليتني فيها جذعاً أكون حياً حينَ يُخرجكَ قومُكَ، قال r:(أو مخرجيّ هم ) ؟ قال: نعم، لم يأتِ أحدٌ بما جئتَ بِه إلاَّ عُوديَ وأوذيَ، وإن يدركنيْ يومُكَ أنصْركَ نصراً مؤزراً ))الحديثَ أخرجه البخاري ومسلم ،
وقدْ ذكرَ اللهُ في كتابِه عداوةَ الكافرينَ للمؤمنينَ، وذكرَ أسبابهَا، وأنها لا تزولُ حتى يتحولَ المسلمُ إلى دينهم، ومهما اغترَ المسلمونَ بالكفارِ، وزعمَ منْ زعَم زوالَ هذه العداوةَ واندثارِها، وحاول التقريب بيننا وبينهم، إلاَّ أنَّ الله جلَّ جلالهُ قد أظهرها في كتابه، وبيانها في مُحكم آياته، فقال سبحانه، (( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (سورة البقرة:109) .
وقال سبحانه: (( وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) ) (سورة آل عمران:118) .
وذكر سبحانُه غايتَهم التي يسعونَ إليها: (( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) ) (سورة التوبة:32) .
وكلُ ما يظهرُ من جرائم وأحقاد، إنما هي جزءٌ يسيرٌ مما تُخفيْ صدورهم، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) ) (سورة آل عمران:118) .
ومهما قدْمَ المسلمونَ منْ تنازلاتٍ فلنْ تزيدَهمْ إلا ذلاً وخضوعا، وعجزاً وخنوعا، قال تعالى: (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ).
والواقع خيرُ شاهدٍ على ذلك، فهاهي باكستانُ لم تهدأ بعدُ في تعاونها مع أمريكا، في إسقاطِ الطالبانِ وملاحقةِ المجاهدين، وهاهي أمريكا تقفُ مع الهندِ ضدها، وبدأتِ التهديداتِ تنهالُ عليها، فهل نفعت باكستانُ تنازلاتها لعدوها وانبطاحها الكامل، وهل استفادت تركيا من تذلُلها للغربِ أم أنَّها لا تزالُ غير مُرضٍ عنها !!