فأمَّا التحذير فإياك أن ترجعَ إلى دَنَسِ المعصية بعد التطهير والتوبة ، وإياك أنْ تستبدل بمحبه اللهِ البغض فإنَّ الله يحبُ التوابين ويحبُّ المتطهرين ، وتصحب الأشرار والفجار فإنهم يدعونك إلى الخزي والعار قال بعض السلف:
علامة التوبة الصادقة: البكاءُ على ماسلف وعدم الرجوع إلى الذنب ، وهجرانُ إخوانِ السوء ) .
وأمَّا البشارة: أيها التائبُ المنيب فهي ما ذكره اللهُ الرحيم بقوله سبحانه عن التائبين (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ) ) (الزمر:53-54) .
وقال سبحانه وتعالى: (( إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) ) ( الفرقان:70) .
اللهم تب على التائبين .. وأغفر ذنوب المستغفرين .. اللهم أرحمنا برحمتك يا خير الراحمين .. اللهم يا مقلّب القلوب ثبِّتْ قلوبنا على دينك .. اللهم أجعلنا ممن قبلت أعمالهم وأعتقتهم من النار يا كريم .
وأقول هذا القول وأستغفر الله لي ولك واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم ، قال عن عبادة المؤمنين: (( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ {21} خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ) (التوبة: 21-22) .
وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم الحليم قال في القرآن الكريم (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ *خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ) (لقمان 8-9) .
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله (( عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) (التوبة: 128) .
اللهم صل وسلم على هذا النبي الكريم.. وأرض اللهم عن آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. اَمَّا بَعْدَ .
لقد قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ مبشراً عباده المؤمنين: (( وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (الصف: 13) .
وقال عز وجل: (( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً ) ) (الأحزاب:47 ) .
وقال سبحانه وتعالى: (( وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) (البقرة:25) .
هنيئاً للمؤمنين المخلصين ، وبشراكم ـ أيها الصائمون إيماناً بفريضة الصيام واحتساباً لثوابه وأجره ـ بشراكم بمغفرة الذنوب المتقدمة .
أبشروا أيها المؤمنون المتاجرون بالتجارة الرابحة (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) (الصف:10-12) .
أبشروا ـ أيها المستقيمون على طاعة الله ورسوله بجنات ونهر (( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) ) ( القمر:54-55) . .
أيها المسلمون: من كان عليه قضاءٌ من رمضان فليبادر بالصيام فإنَّ ذلك أسرعُ في إبراءِ الذمة ، وأيسر من تأخير ذلك ، واعلموا أن التتابع في قضاء رمضان لا يجب بل لوصام يوماً وأفطر يوماً لصحَّ ذلك والحمد لله .
ومن كان عليه قضاءُ أيام من رمضان فإنه لا يصوم الستة من شوال حتى ينتهي من قضاءِ رمضان.
أيها المسلمون: المعاودون لصيام ستٍ من شوال بعد رمضان أبشروا بثواب صيام الدهر
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر ) ) [1] .
فلله الحمد والمنّه على ذلك كثيراًَ ما أعظمَ كرم الله وأفضاله ولُطْفَه (( إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) (البقرة:143) .
جعلني الله وإياكم من المسارعين إلى الخيرات ، ووفقنا للإخلاص في جميع الحالات والأوقات إنه سميعٌ قريب، وجوادٌ كريم .
هذا وصلوا وسلموا على مَنْ بلغ البلاغ المبين (( اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته على أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد .. وبارك على محمد وعلى أهل بيته وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ) ).
اللهم أرض عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ..اللهم أرض عن جميع الصحابة وأرضهم وارزقنا حُبّهم يا رَبَ العالمين . اللهم أَعَزَ الإسلام والمسلمين .. وأذلَّ الشرك والمشركين .
اللهم قاتل كفرةَ أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ، ويكذبون رسلَك ويعادون أولياءَك ولا يؤمنون بوعدك .. اللهم خالف بين كلمتهم وأنزل عليهم رجزكَ وعذابك أله الحق ..
اللهم طَهِّر المسجد الأقصى من رجس اليهود .. اللهمَّ خَلِّصه من أيديهم .. اللهمَّ أذلَّهم بعزِّ الإسلام يا قوي يا عزيز .
[1] رواه مسلم .
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله00
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ) (آل عمران: 102)
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء: 1) .
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) ( الأحزاب: 70-71)
أما بعد:
فإن خير الكلام كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار0
أيها الناس: سنن الله تعالى في عباده لا تتبدل ولا تتغير، ولا يمكن لأي قوة مهما بلغت أن تعطل لله تعالى أمرا ، أو ترد له قدرا، أو تبطل سنة من سننه (( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً ) ) (الأحزاب: 38) .
(( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) ) (النحل: 40) .