(( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) ) (القمر: 50) .
ومن سنته تبارك وتعالى أنْ قدَّر التدافع بين الإيمان والكفر ، وبين العدل والظلم ، وبين الحق والباطل: (( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ) (البقرة: 251) .
(( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ) ) (الحج: 40) ومن سنته سبحانه أن شرع للمؤمنين مدافعة الكفر وأهله، ومقارعتهم بالحجة والبرهان، ومقاتلتهم باليد والسلاح0
لقد كانت سنة الله تعالى في الأمم الغابرة إهلاك المكذبين بعذاب من عنده؛ كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادا بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى عليه السلام ، وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق أنزل التوراة على موسى عليه السلام ، وشرع فيها قتال الكفار ، وكان ذلك أولَ أمر الجهاد في الشرائع الربانية ، واستمر في بقية الشرائع بعده على ذلك ، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قول الله تعالى: (( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى ) ) (القصص: 43) .
وسيظل الجهاد قائماًً إلى آخر الزمان إلى أن يجاهد المسيح ابن مريم عليه السلام والمؤمنون معه الدجال وأتباعه من اليهود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ) )رواه أحمد.
وبين أن الجهاد باق إلى يوم القيامة في قوله صلى الله عليه وسلم: (( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ) )رواه البخاري
وكان من سنة الله تعالى لما شرع الجهاد ، وكلف العباد به: أنْ جعل الأيام دولا بين الحق والباطل ، فتكون الغلبة لأهل الحق تارة ، وتارة أخرى تكون لأهل الباطل ؛ وذلك ابتلاء وامتحانا للعباد ، وتمحيصا للقلوب ، وتمييزا للثابت على الحق من الناكص على عقبيه ، المبدل لدين الله تعالى ، والحكمة من هذه السنة الثابتة منصوص عليها في القرآن أيضا: (( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) ).
وفي الآية الأخرى (( مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) ) (آل عمران: 179) .
وفي آية براءة: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) )وفي آية العنكبوت (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) ( الآية: 2-3) ، وفي آية القتال: (( ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ذلك ) )وفي آخر السورة: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) ) (محمد: 31) .
ثم كان من سنة الله تعالى أن كتب الغلبة لأهل الحق والإيمان والعدل على أهل الباطل والكفر والظلم ، ولكن بشرط أن يكونوا قائمين بأمر الله تعالى ، ناصرين لدينه ، مستمسكين بشريعته ، فإن غلبهم أعداؤهم فبسبب تقصيرهم في دينهم ، ومعصيتهم لربهم وهذه السنة العظيمة جاءت بذكرها آيات كثيرة في كتاب الله تعالى ، بل أقسم عليها الرب جل جلاله في قوله سبحانه (( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (الحج: 40) وقوله: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ) ) (النور: 55) .
وقوله: (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ) (الصافات: 171-173) وقوله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ) (محمد:7) وقوله: (( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (المجادلة:21)
ولكن إن أخلَّ أهل الحق بهذا الشرط المتمثل في نصر الله تعالى بالاستمساك بدينه ، وتعظيم شريعته، والعمل بها ، فقدوا سبب النصر ، وعوقبوا بالذل والهوان ، وتسلط الأعداء؛ تذكيرا لهم وتأديبا ، لعلهم إلى ربهم يرجعون ، وبدينهم يستمسكون ، وعن المعاصي ينتهون ، وهذا التأديب والتذكير ذاق شدته ومرارته أفاضل هذه الأمة حين عصى الرماة في أحد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فانقلب ميزان المعركة لصالح المشركين ، وكف الملائكة عن القتال إلا حماية للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصاب المسلمين كرب شديد ، وألمت بهم محنة عظيمة ، وأحاط المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم في نفر قليل من الصحابة رضي الله عنهم ، وشُجَّ رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وكُسِرت رباعيته ، وهُشِمت البيضة على رأسه ، وأشاع المشركون قتله ، وقُتل سبعون من خيار الصحابة رضي الله عنهم ، ومَثَّل المشركون ببعضهم ، وأُصيب أهل المدينة في آبائهم وأزواجهم وإخوانهم وأولادهم، وأنزل الله تعالى آيات كريمات تبين أن معصيتهم هي سبب مصابهم: (( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) )إلى أن قال سبحانه (( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (آل عمران:165،152)
إنها حقائق من رب العالمين ، وإخبار العليم الخبير ، وليست تكهنات كهان ، أو استنتاجات خبراء ، أو تحليلات سياسيين، أو تخبطات صحفيين ، لا يرى أكثرهم أبعد من أنوفهم ، ولا يدركون سنن الله تعالى في خلقه ، ولا يحسنون التلقي عن كتابه الكريم0