عباد الله إن من أسباب صلاح القلوب تطهيرها من الآفات والأمراض التي تفسدها وتعطبها كالحسد والغل والعجب والرياء والشح فإن هذه الأمراض تفسد القلب وتصرفه عن صحته واستقامته فاحرصوا بارك الله فيكم على تطهير قلوبكم من هذه الآفات فإنه لا نجاة للقلب إلا بالنجاة منها.
أيها المؤمنون إن من أهم أسباب صلاح القلوب دعاء الله سبحانه وتعالى وسؤاله إصلاح القلب و تطييبه فإن سؤال ذلك من أنفع الدعاء ومن دعاء النبي r: (( اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) ) (9) ومن دعائه أيضاً: (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ) (10) فأكثروا من سؤال الله التثبيت وإصلاح القلوب.
الخطبة الثانية
أما بعد...
فيا أيها المؤمنون توبوا إلى الله توبة نصوحاً فإن الذنوب فساد القلوب وخرابها وبعد ففي الصحيح قال النبي r: (( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه ) ) (11) فبين هذا الحديث أثر الذنوب على القلب وأنه يطمسها ويختم عليها كما قال ابن المبارك رحمه الله.
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
وفي الحديث أيضاً أثر التوبة في تصفية القلب وتطهيره وتنقيته قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (القلب إذا تاب من الذنوب كان ذلك استفراغاً من تخليطاته حيث خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فإذا تاب من الذنوب تخلصت قوة القلب وإرادته للأعمال الصالحة واستراح القلب من تلك الحوادث الفاسدة التي كانت فيه) وقال ابن القيم رحمه الله: (فإذا عزمت التوبة وصحت ونشأت من صميم القلب أحرقت ما مرت عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له) .
فأكثروا أيها المؤمنون من التوبة والاستغفار فإن التوبة تجلو القلب وتزيل عنه أوضار المعاصي والسيئات ففي الصحيح من حديث الأغر المزني أن رسول الله r قال: (( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) ) (12) .
أيها الحريصون على إصلاح قلوبهم إن من أسباب استقامة القلب وصلاحه تعظيم الله تعالى الذي ينشأ عنه تعظيم أمره ونهيه قال الله تعالى: ?ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ? (13) . وشعائر الله هي أوامره ونواهيه فعظموا الله سبحانه وتعالى يصلح لكم قلوبكم ويغفر لكم ذنوبكم.
ومن أسباب صلاح القلوب وتطييبها الحرص على البعد عن أسباب فسادها وخرابها قال تعالى: ?وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ? (14) . قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله: (وكلما بعد الإنسان عن الأسباب الداعية إلى الشر فإنه أسلم له وأطهر لقلبه) (15) .
فكل شيء يفسد قلبك أيها العبد فاحرص على تجنبه والبعد عنه فإن قلبك أعظم ما تملكه وإذا فسد عليك فسدت عليك حياتك وآخرتك. اللهم أصلح قلوبنا وآت نفوسنا تقواها وزكها فأنت خير من زكاها.
(1) الشعراء: 88-89.
(2) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2564.
(3) أخرجه البخاري في الإيمان من حديث النعمان بن بشير برقم 52 وأخرجه مسلم في المساقاة برقم 1599.
(4) يونس: 57 .
(5) أخرجه البخاري في الإيمان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه برقم 16 وأخرجه مسلم في الإيمان برقم 43.
(6) أخرجه البخاري في الرقاق من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 6502.
(7) الرعد: 28 .
(8) أخرجه البخاري في الدعوات من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه برقم 6407 .
(9) أخرجه مسلم في القدر من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه برقم 2654 .
(10) أخرجه الترمذي في القدر من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه برقم 2140 .
(11) أخرجه مسلم في الإيمان من حديث حذيفة رضي الله عنه برقم 144.
(12) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم 2702 .
(13) الحج: 32 .
(14) الأحزاب: 53 .
(15) التفسير 4/166.
الخطبة الأولى
أما بعد..
أيها المؤمنون بالله ورسوله اتقوا الله فإن الله شديد العقاب ذو الطول لا إله إلا هو إليه المصير عباد الله اتقوا الله واحذروا عقابه وشديد عذابه وسخطه فإنه سبحانه وتعالى شديد العذاب قال الله جل ذكره: ?نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ`وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ? (1) . وقد حذركم الله سبحانه وتعالى نفسه في كتابه فقال: ?وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ? (2) . قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: (( أي يخوفكم الله من نفسه أن تركبوا معاصيه أو توالوا أعداءه فإن إليه مرجعكم ومصيركم بعد مماتكم فإن خالفتم أمره نالكم من عقاب الله ما لا قِبل لكم به، فاتقوه واحذروه أن ينالكم ذلك منه فإنه شديد العقاب ) ). أيها المؤمنون إن الله تبارك وتعالى ببالغ حكمته فرض عليه خوفه وأوجبه قال جل ذكره: ?فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ? (3) وقال سبحانه: ?فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي? (4) . بل قد جعل سبحانه وتعالى خوفه شرطاً لصحة الإيمان فقال سبحانه عز وجل: ?فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ? (5) . وقد أنذركم الله أيها المؤمنون الأمن من مكره وعذابه فقال تعالى: ?وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ? (6) وقال سبحانه: ?أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ - أي عملوا السيئات - أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ`أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ` أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ? (7) وقال سبحانه وتعالى: ?أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ ` أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ ` أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ? (8) .
أيها المؤمنون إن الخوف من الله تعالى من أجل العبادات ومن أعظم القربات فهو الذي يحول بينكم وبين محارم الله عز وجل ومعاصيه فلله ما أعظمه، ولله ما أحوجنا إليه ولله ما أحسن عاقبته في الدنيا والآخرة إذ بالخوف يا عباد الله ينزع العبد عن المحرمات وبه يقبل على الطاعات فهو والله أصل كل فضيلة وباعث كل قربة.
وبالخوف أيها المؤمنون يستيقظ القلب من غفلته وينتفع بالإنذار ويتأثر بآيات القرآن قال الله تعالى: ?مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ` إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى? (9) وقال سبحانه: ?اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ? (10) .