فهرس الكتاب

الصفحة 9224 من 9994

عباد الله: إن الخوف من الله تعالى هو من أخص صفات عباد الله المتقين وأوليائه المحسنين: قال الله تعالى: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً? (11) قال الإمام الطبري رحمه الله: (( المؤمن هو الذي إذا ذكر الله وجل قلبه وانقاد لأمره وخضع لذكره خوفاً منه وفرقاً من عذابه ) ) (12) .

أيها المؤمنون لقد كان النبي r شديد الخوف من الله عظيم الخشية له مع ما خصه الله سبحانه وتعالى به من الخصائص والفضائل والهبات ففي الصحيحين قال r: (( فوالله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) ) (13) . وعن عبدالله بن الشخير t قال: (( أتيت النبي r وهو يصلي وله أزيز كأزيز المرجل من البكاء ) ) (14) رواه أحمد وغيره.

أيها المؤمنون هذا نبيكم r غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بلغ الغاية في العمل والطاعة ومع ذلك كله كان شديد الخوف من ربه حتى كان أكثر دعائه كما في جامع الترمذي:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"وكان من دعائه كما في صحيح مسلم: (( اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) ) (15) أما صحابته الكرام فهم الذين قال فيهم القائل:

إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع

فسيرهم رضي الله عنهم حافلة بالعبر والعظات فهذا صديق هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها r المبشر بالجنة وعظيم المنة كان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله تعالى، وهذا عمر بن الخطاب t المبشر بالجنة قرأ سورة الطور حتى إذا بلغ ?إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِع? (16) بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعاده الناس t وكان يقول لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني، وهذا عثمان t كان إذا وقف على القبر بكى حتى يبل لحيته t أما جمهور الصحابة رضي الله عنهم فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس أنه قال: خطب رسول الله r خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) ) (17) قال أنس: فغطى أصحاب رسول الله r وجوههم ولهم خنين. فرضي الله عنهم وأرضاهم ما أجمل فعلهم وأعذب ذكرهم.

عباد الله هذه نماذج من مخاوف القوم مع ما خصهم به الله تعالى من الرضا والغفران وتبشير بعضهم بالجنان. فليت شعري ماذا نقول وقد قست منا القلوب وأمنت منا المخاوف فلا بقرب الرحيل ننتبه ولا بآيات الله نتعظ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الخطبة الثانية

أما بعد..

اتقوا الله واعلموا أن من علامات خوف الله تعالى وخشيته عدم الأمن من عذاب الله وعقابه وسخطه قال الله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ` وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ` وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ` وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ? (18) فهؤلاء يا عباد الله قوم حسُنت أعمالهم وطابت سرائرهم وزكت قلوبهم واستقامت جوارحهم إلا أنهم مع ذلك لم يأمنوا عقاب الله وعذابه، فقلوبهم وجلة خائفة أنهم إلى ربهم راجعون.

وهذا يفسر لنا ما كان عليه النبي r من شدة الحذر من عقاب الله والخوف من سخطه ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (( كان رسول الله r إذا كان يوم الريح أو الغيم عُرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر فإذا مَطرت سُرَّ به وذهب عنه ذلك، قالت عائشة: فسألته فقال: إني خشيت أن يكون عذاباً سُلط على أمتي ) ) (19) وفي رواية أخرى للبخاري قال لها لما سألته: (( يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذابٌ، وقد عُذب قوم بالريح وقد رأى قومٌ العذاب، ?قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا? ) ) (20) .

ولما كسفت الشمس في عهده r خرج إلى المسجد مسرعاً فزعاً يجرُّ رداءه من شدة الفزع فقام بأصحابه r قياماً طويلاً شديداً حتى جعلوا يخرون من طول القيام فاستكمل رسول الله r في الركعتين أربع ركعات وأربع سجدات، رأى في صلاته تلك، الجنة والنار فلما فرغ من تلك الصلاة خطب خطبة عظيمة بليغة كان منها أن قال r: (( أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة وادعوا الله وكبروا وتصدقوا، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) ) (21) وفي رواية قال r عن الكسوف: (( إنه من آيات الله تبارك وتعالى يختبر بها عباده فينظر من يحدث منهم توبة ) ) (22) .

فلا إله إلا الله ما أطيب قلوبهم وأزكى سرائرهم وأشد خوفهم وحبهم وتعظيمهم لربهم جل وعلا فإن هذه الآيات والعظات لا يعتبر بها إلا من عمر الخوف قلوبهم قال الله تعالى: ?إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ? (23) وقال سبحانه: ?وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ? (24) أيها المؤمنون إنه لما ضعف إيماننا بالله وقلّ خوفنا منه وتعظيمنا له قست منا القلوب وساءت الأعمال وصدق في كثير منا قوله جل وعلا: ?وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون? (25) فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون.

(1) الحجر: 49 -50.

(2) آل عمران: 28.

(3) النحل: 51.

(4) البقرة: 150.

(5) آل عمران: 175.

(6) الرعد: 13.

(7) النحل: 45-47.

(8) الأعراف: 97 -99.

(9) طه: 2-3.

(10) الزمر: 23.

(11) الأنفال: 2.

(12) تفسير الطبري ( 6 / 178 ) .

(13) أخرجه البخاري في الأدب من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ:"فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم.."برقم 6101. وأخرجه مسلم في الفضائل برقم 2356.

(14) أخرجه أحمد من حديث عبدالله بن الشخير رضي الله عنه برقم 15877.

(15) أخرجه مسلم في القدر من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص برقم 2654.

(16) الطور: 7.

(17) أخرجه البخاري في الجمعة من حديث عائشة رضي الله عنها برقم 1046 وأخرجه مسلم في الكسوف برقم 901.

(18) المؤمنون: 57.

(19) أخرجه مسلم في صلاة الاستسقاء من حديث عائشة رضي الله عنها برقم 899.

(20) أخرجه البخاري في تفسير القرآن من حديث عائشة رضي الله عنها برقم 4829، والآية في الأحقاف: 24.

(21) أخرجه البخاري في الجمعة من حديث عائشة رضي الله عنها برقم 1046 وأخرجه مسلم في الكسوف برقم 901.

(22) أخرجه أحمد من حديث سمرة بن جندب برقم 19665.

(23) هود: 103.

(24) الذاريات: 37.

(25) يوسف: 105.

صالح الونيان

بريدة

جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1 -بعث الله الأنبياء لتزكية نفوس البشر 2 - من وسائل تزكية النفوس الخوف من الله 3 - ما جاء في الخوف من الله في نصوص شرعية 4 - اقسام الخوف 5 - كيف نستجلب الخوف من الله

الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها المسلمون!

اتقوا الله تعالى، وارقبوه، وامتثلوا أمره ؛ فإنه للظالمين بالمرصاد.

عباد الله!

إن من المهمات التى بعث بها نبي هذه الأمة محمد تزكية النفس؛ كما قال عز وجل ممتناً ببعثه: هو الذى بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة:2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت