* محمد الأديب
الدين هو أعظم وأكبر ناموس في حفظ نظام العالم، وأنفذ وازع ورادع للنفوس عن حرصها وجشعها الى حب التغلب والتفوق واستيفاء الحظوظ من الشهوات الحيوانية والقوى الغضبية.
وهو الخضوع لقوة مدبرة للعالم، أزلية مدركة حكيمة عادلة. فضلاً عن كونه من أول الفطريات، وأجلى الوجدانيات والبديهيات. ويمكن أن نقول: بأن الدين هو الراحة الكبرى، والنعمة العظمى، ومن أعظم لوازم الإنسانية وأهم ما يجب للطباع البشرية.
ويستحيل بدون الدين قمع شرور البشر، وقطع بذورها من نفوسهم عامة وخاصة، إلا برهبة الدين، وتسليط سيطرته عليها، إذ إن أعظم مصلح يقوم في العالم، وأكبر مدبر ينهض لخدمة المجتمع البشري لا يكون لولا الدين، إلا أكبر أهوج خائر مضيع لحقوق شهواته من غير فائدة تعود إليه ولا عائدة ترجع بالعوض عليه، إذ ما الغاية في تحمل ذلك العناء، ورفض تلك اللذات، والصبر على شظف العيش، والرزوح تحت أغلال البلاء، مع علمه بأنه سيفنى ويذهب متلاشياً في عرصات العدم المحض والفناء المؤبد.
ولو أن جميع العالمين إلى آخر الأبد صلوا وسلموا عليه بكرة وعشياً وسبحوا وقدسوا بحمده غدواً ورواحاً لم يصل إليه من النفع ذرة وكان هذا واستبداله باللعن والذم سواء.
فهل تحمله تلك المشاق إلا الحمق والخور وضعف الرأي وسوء التدبير وعدم النظر لنفسه!!.
فان الدين من أرأف المسلمين، وأشفق الواعظين، وأبلغ المغزّين لهذا الانسان البائس، المحفوفة حياته بكل عناء، وشقاء ومصيبة وبلاء، مهما ساعدته العناية، وتمهدت له الأسباب، وتربع على عرش الملك فضلاً على البائسين والمساكين الذين يرزحون تحت مجهدات الفقر والفاقة والبؤس والمسكنة.
إن الدين سلوة، ولولا حسن عزائه، وطلب النفس بحسن الثقة به وان الاستلام له داعية كل فضيلة، لكان جديراً بالانسان، وحرياً به من أوائل عمره، لأن كل انسان لو عمل الاحصائيات المدققة، وقاس ما يناله في هذه الدنيا من التعب والمصائب والأخطار الماضية والمستقبلة، لما يحضى به من النعيم واللذة والهناء والراحة، لوجد هاتيك الى هذه أضعافاً مضاعفة الأعداد نسبة الملايين الى الآحاد!!.
وأي عاقل يا ترى!! يرضى لنفسه بهذه الخطة، ويختار التواطئ لهذه المنزلة!!
وما ألم الموت إلا لحظة، تمر عليه أمثالها في الحياة. أما بارقة الأمل والرجاء، فقد أوشكت أن تظهر خلابتها للعيون، ويبدو جهام غيمها للنفوس وتنقشع غشاوتها عن الأبصار.
هل من ملك لا يأسف على الماضي من عمره؟ ولا يبكي على فقد شبابه وريعان صباه؟
فماذا يا ترى!! ستكون حالة العامة من الرعايا؟
وكم ذك لنا التاريخ من رجال بلغوا من العظمة والملك أن سجد الناس أمامهم وعبدوهم دون خالقهم. فما كان مصيرهم؟
ألم يدسوا في حفائر الأرض؟
ألم يستنزلوا عن مشرفات القصور إلى مظلمات القبور؟ وطاشت بهم أهواء الفخفخة، والرفعة الخادعة، ثم أهوت بهم كما تهوي الزوابع بعاليات الشجر الى وهدة الحضيض.
أما لولا العناية الإلهية تلطف بالعباد، وتوله أفكارهم بالشواغل المادية عن التوغل والامعان في هذه الخواطر الراهنة، لتركوا عمارة الدين وسكنوا مغارات الجبال، ولعجوا عجيج الوحوش في الفلوات، ولانقطع النسل، وبطل العمل، وعادت الأرض الى شكلها الأول.
فمن المسكن للوعة هذا الانسان؟
ومَن الذي يبرد غلته؟
وكيف يكف مَن غرب جماحه، وهيجان أشجانه، وجزعه من كل الحياة ولذائذها، والدنيا ونعيمها؟!
تلك اللذائذ التي ما من واحدة منها إلا وهي محفوفة بالمكاره والعناء والكدر والبلاء!!
أم كيف يهدأ هذا الانسان، والحوادث والصروف كل آن تهدده بكل خطر وكل رزية، وهو لا يعرف بأي حجر يرمى؟ وبأي عثرة يعثر؟ وفي أي بقعة يموتظ وأين يقبر؟
فان المهدئ لكل هذه اللوعات، والمسكن لهذه الخطوب، والمعقل الحصين لتلكا لمحرمات والغرور، والمؤمل المشجع له على الصبر ومكافحة الحياة، والعمل فيها ما هو إلا الدين، وليس سواه وهو الذي أمر الناس: (ان اعملوا لدنياكم كأنكم تعيشون أبداً، واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غداً) .
فهذا هو الدين، وهو ذلك النظام الاجتماعي العام الذي انقذ في جميع أدواره، وفي زمن جميع أنبيائه ورسله ومبشريه الانسان من حالة الحيونة والتوحش الى حالة الانسانية البشرية، ومن محط الجهل الى شاطئ العلم والمعارف وأخذ في كل حين وآخر يجدد لباس المدنية فينزع القديم ويلبس الجديد، وفي كل انقلاب أوجد لنفسه روحية جديدة في ترك العادات القبيحة السالفة، وأخذ يعيش في عاداته وأساليبه الحاضرة، وظن بنفسه ملة حية، وقوماً كاملة الصفات، لأن من مقتضيات وجود الدين والتربية في كل قوم هي ايجاد روح جديد في هيكلهم الاجتماعي وتبديل أفكارهم، وتطهير قلوبهم، وتوسيع أدمغتهم، حتى يزيل عنهم كل قديم سقيم، ويقوّم فيهم الآداب والمدنية الجديدة.