فالتدين بالدين إذاً من ضروريات الانسان، ومن صفاته التي لا تنفك عنه، إذ لا يمكن له بدونه الحياة بالرفاه والعيش بالسلام والطمأنينة والراحة. لأن البشر مخلوق غرز في طبعه أن يعيش مع بني نوعه فيعمل كل فرد (على قاعدة توزيع العمل) ما يحتاج إليه هو وسائر أفراد البشر في حياته وحفظ نوعه.
وبما أن العقل غير كافل لحفظ النظام، واقامة العدل، وإن كان سبب السعادة، ومنبع الفضيلة، لأنا نرى كثيراً من العقلاء يسارعون الى ارتكاب المنكرات والرذائل التي يستقبحها العقل اتباعاً لشهواتهم، وتطلباً لرغباتهم، كما ان ارشاد العقال أمته، ونصحه لهم لا يؤثر في تحسين حالهم وان أقام لهم من الأدلة العقلية على قبح ما يفعلون ألف دليل.
بل كم رأينا في صفحات التاريخ ما قاساه العقلاء من أممهم وما لاقوه جزاء ارشادهم من قتل ونفي وتعذيب، لذلك كان من الأمور المسلمة ان الشارع للأحكام الموجبة لحفظ نظام هذا النوع، والمؤمنة لحقوق أفرادهم يجب أن يكون ذاتاً تنقاد النفوس لارادته، وتذعن القلوب قبل الأجسام لأوامره بسبب امتيازه على بني نوعه بصفاته العالية، وتأييده بما يملك النفوس من الآيات الباهرة، فتصبح العقول محاطة بما لا مخلص لها من الاذعان له.
ذلك هو الذي يأتي مبلغاً عن الله أحكاماً وأوامر، وهو ما يقال له (الرسول) وتلك الأحكام والأوامر التي يقصد منها ارشاد البشر إلى معرفة الله تعالى وعبادته، وإلى اتصافهم بالصفات الفاضلة والأخلاق الكاملة كالصدق، العدل، الوفاء، العفة، الحلم، الصبر، الى غير ذلك من الصفات التي يحكم العقل بحسنها، وعلو المتصف بها والتي يقال لها (الدين) .
فاذا عرف الانسان الخالق عزوجل حق المعرفة وعظمه، وقف عند الحدود التي حددها له.
فلا يظلم أحداً ولا يتجاوز على حق أحد ولا يرتكب ذنباً من الذنوب التي يعد فعلها خسارة على الله تعالى بتعدي حدود وانتهاك حرماته.
اذا تهذبت نفس الانسان، حتى بلغ الكمال، وتقومت أخلاقه، احترمه الناس واستمعوا لقوله ولا يخفى ما في ذلك من التضامن واتحاد الكلمة.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما يأمر به الدين، من اقامة العدل، وعدم التجاوز مع الأمر باتحاد الكلمة وعدم الشقاق والتنابذ ومحو الحقد والحسد نعلم مقدار ما يحصل بسبب ذلك من التآلف والتودد اللذين بهما تنتظم أ؛وال الناس ويكمل هناؤهم.