سادساً: مشاريعُ اقتصادية: من مشكلاتنا - بشكلٍ عام - الإسرافُ وعدمُ الاقتصاد، وفي رمضان دروسٌ عامة، ودروسٌ خاصةٌ بالاقتصاد، فالصائمُ ممسك عن الطعام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا مشجعٌ على القضاء على التخمة، ومروضٌ للنفس على الصبر، ومهذبٌ للأرواح، ومريحٌ لوظائف الجسم، ومذكرٌ للصائم بمن يحتاجون للطعام فلا يجدونه (صاموا أم أفطروا) ولكن هذه المعاني وأمثالها من اقتصاديات الصوم تضيع، بل تُفهم فهماً خاطئاً عند قومٍ ما، أن يتسامعوا شهر رمضان حتى تمتلئ بهم الأسواق، فيشترون ما يحتاجون وما لا يحتاجونه، ويجمعون ما لا يأكلون، ومن خلال الدراسات والتحقيقات تبين أن الإعلانات التجارية، تمارس دوراً كبيراً في خداعِ المستهلك، ودفعِه إلى المزيد من الشراء لأشياء كثيرة لا حاجة له بها، بل يتجاوز الأمرُ مجردَ الدعاية إلى التسهيلات في عمليات الشراء، وحمل السلع إلى المستهلك في مقر بيته، ثم يأتي أسلوبُ الدفع بالبطاقات، أو الأقساط أو مكافأة المشتري كلما زاد من نسبة الشراء، وسيلةً ثالثةً تُسهم في الإسراف، ومزيد الاستهلاك
فهل نتنبه لهذه المخاطرِ الاقتصادية، ونجعل من شهر الصيام فرصةً للاقتصادِ غيرَ المُقتر، لتسلم بطونُنا من التخمة، وجيوبُنا من النفقة المُسرفة، إنها ملاحظةٌ تستدعي النظرَ والعملَ، وإذا شاع عند أبناءِ العالم الآخر مصطلح ( ولد ليشترى) فعندنا معاشرَ المسلمين المصطلح يقول: ( ولد ليعبد الله ) والشراءُ ليس هدفاً بذاتِه بل وسيلةً للعبوديةِ .
الحمد لله ؛ خلق الخلق بقدرته ، وكتب آجالهم وأرزاقهم بحكمته ، نحمده حمد الشاكرين ، ونستغفره استغفار المذنبين ، ونسأله من فضله العظيم ؛ فله سبحانه في رمضان هبات وعطايا لا تنقضي ، وخزائنه عز وجل لا تنفد ، وهو القائل سبحانه (( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) )الحجر21 لو أعطى كل سائل مسألته ما نقص ذلك في ملكه إلا كما ينقص البحر إذا أدخل البحر ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ عظيم في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ؛ فهو الملك الحق الكبير ، وهو العليم الخبير (( لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )المائدة120وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ عرف ربه تمام المعرفة ، وقدره حق قدره ، فتبرأ من كل حول وقوة إلا من الله تعالى ، ونصب في طاعته سبحانه ساجدا وقائما ، وفي عشر رمضان كان يعتزل الدنيا وما فيها، معتكفا في مسجده ، خاليا بربه ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل ؛ فإنها النجاة للعبد في الدنيا والآخرة ، وما قيمة الإنسان بلا إيمان ولا تقوى (( وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) )آل عمران179
أيها الناس:
حاجة الخلق إلى الله تعالى لا يحيط بها الوصف ؛ إذ هم مفتقرون إليه في كل أحوالهم ، محتاجون إلى عونه في كل شؤونهم ..هو سبحانه موجدهم من العدم ، ومربيهم بالنعم ، وهاديهم إلى ما ينفعهم ، وصارفهم عما يضرهم ؛ فما قيمة الخلق بلا خالقهم.
والقرآن العظيم قد عرضت آياته لهذه المسائل ، وجلت تلك الحقائق ، وكثير من الناس يغفلون عنها وهم يقرئون القرآن ، وهذه الليالي هي ليالي القرآن ، فالمسلمون في كل الأقطار يتحرون فضلها ، ويلتمسون أجرها ، فيحيونها بالتلاوة والصلاة ، وأنواع الذكر والدعاء ، وحري بهم أن يتدبروا ما يقرئون ويسمعون من كلام الله تعالى في تلك الليالي المباركات؛ ليدركوا حقيقة فقرهم لله تعالى ، ويعرفوا ما له سبحانه من المنة والفضل عليهم ، فيقودهم ذلك إلى تعظيمه وذكره وشكره وحسن عبادته.
إن ربنا جل جلاله هو الذي خلقنا وهو غني عن خلقنا ، فلم يخلقنا سبحانه ليستكثر بنا من قلة ، ولا ليستقوي بنا من ضعف ، ولا ليحتاج لنا في أي شيء ؛ فكان خلقه لنا محض فضل منه سبحانه وتعالى تفضل به علينا (( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) )الزمر6 تخيل يا عبد الله أنك لم تخلق فماذا كان ؟! هل سيختل الكون بدونك ؟! وهل ستفتقر الموجودات إلى وجودك؟!
ألم تمض أزمان قبل وجودك ، والكون هو الكون ، ولم يفتقر أحد إليك حتى توجد من أجله ، وبعد موتك سيعيش من يعيش ، والكون هو الكون ، والناس هم الناس ، فلا افتقرت الموجودات إلى خلقك ، ولا اختل نظامها بموتك؟ وهذه الحقيقة نص عليها القرآن في غير ما موضع (( أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ) )مريم67 وقوله (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ) ) [الإنسان:1 ] نعم مضت أزمان قبل خلق آدم عليه السلام لم يكن للبشر فيا ذكر ؛ لأنهم غير مخلوقين ، ثم مضت أزمان أخرى بعد وجود البشر لم يكن الواحد منا فيها مذكورا معروفا ؛ لأنه لم يولد بعد ، فكان فضل الله تعالى علينا أن خلق أصل البشر ، ثم تفضل سبحانه علينا فجعلنا من نسل هذا البشر ، ولما بشر زكريا عليه السلام بالولد وتعجب أن يرزق الولد على الكبر وامرأته عاقر كان الجواب (( قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ) )مريم21 وسمع جبير بن مطعم وهو على الشرك قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لسورة الطور قال: فلما بلغ هذه الآية (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) )الطور35 كاد قلبي أن يطير ) رواه البخاري.
ثم بعد افتقارنا إلى الله تعالى في وجودنا بشراً سوياً نفتقر إلى الله تعالى في بقائنا وبقاء جنسنا البشري ، والله عز وجل وهو الغني عنا كان ولا يزال قادراً على أن يهلكنا ويذهبنا ، وأن يبدلنا ببشر مثلنا ، بل هو القادر على أن يلغي جنسنا ، ويخلق خلقاً آخر غيرنا ، يعبدون الله تعالى ولا يعصونه طرفة عين ، والقرآن ملئ بالآيات التي تثبت افتقارنا إلى الله عز وجل في استمرار بقائنا وبقاء جنسنا البشري (( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) )الأنعام133 وفي سورة النساء (( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً ) )النساء133وفي سورة إبراهيم عليه السلام (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) )إبراهيم19 وفي سورة المعارج (( فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ) )المعارج40) وفي سورة الإنسان (( نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ) )الإنسان28