بل جاء النص الصريح في القرآن على حقيقة افتقارنا إلى ربنا جل جلاله في بقائنا وبقاء جنسنا البشري (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) )فاطر15-16
ونحن مفتقرون إلى الله تعالى في هدايتنا وإسلامنا وإيماننا ، وإلى عبادته سبحانه وتعالى ، فلولا الله تعالى لما كنا مسلمين ولا آمنا ولا صلينا ولا صمنا ولا عملنا صالحاً ، ولا جانبنا المحرمات ، ولسنا أعلى البشر شأناً ، ولا أوفرهم عقلاً ، ولا أشدهم بأساً ، ولكن الله تعالى منَّ علينا بالهداية ، وضلَّ عنها غيرنا ممن لم يهتدوا (( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) )الحجرات17 وقال سبحانه في الحديث القدسي: ( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم )
واستحق جل جلاله أن نحمده ونكبره على هذه الهداية ؛ كما جاء الأمر بذلك في سياق آيات مناسك الحج (( وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ ) )البقرة198 وفي سياق آيات الصيام (( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) )البقرة185 وكم من شخص ضلَّ الطريق إلى الإيمان فلا هادي له ، بل الكثرة الكاثرة من البشر هم أهل الضلال ، ومأواهم إلى النار، وربنا سبحانه جعلنا من المؤمنين وهم الأقلون ، واقروا آيات الهداية والضلال في كتاب الله تعالى تعرفوا قدر نعمة الله عليكم بالهداية ، وتدركوا مدى افتقاركم إليه سبحانه في الثبات على الإيمان ، فقد أنكر عز وجل على من أراد أن يهدي من أضله الله ، وصرح بأن من أضله الله لا يوجد سبيل إلى هداه فقال سبحانه (( يدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) )النساء88 وفي الآية الأخرى (( وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً ) )وفي آية ثالثة (( وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) )النساء88
ولا زلنا مفتقرين إلى الله تعالى في الديمومة على إيماننا ، والثبات على إسلامنا ، فلا ثبات لنا إلا بالله تعالى وعونه وتوفيقه ؛ ولذا ذكر سبحانه عن الراسخين في العلم أنهم يقولون (( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) )آل عمران8 ، والمصلي يتلوا في كل ركعة هذا الدعاء المبارك (( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ) )الفاتحة6
ونحن مفتقرون إلى الله تعالى في رزقنا فمن ذا الذي يرزقنا غير ربنا وخالقنا والمنعم علينا ، والخلق مهما كانت عظمتهم ، أو بلغت قوتهم ، أو علت مكانتهم لا يرزقون أنفسهم فضلا عن أن يرزقوا غيرهم ، فكلهم عيال على الله تعالى ، يسوق إليهم أرزاقهم حيث كانوا (( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) )هود6 (( وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) )العنكبوت60 وقد جمع الله تعالى ذكر افتقارنا إليه سبحانه في الخلق والرزق في آيات كثيرة ؛ وذلك أنه لا قوام لنا ، ولا بقاء لجنسنا بعد أن خلقنا ربنا جلل جلاله إلا برزقه الذي رزقنا (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) )الروم40 وأمرنا سبحانه بدوام تذكر هذه النعمة العظيمة وعدم نسيانها (( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) )فاطر3 ولو حبس عنا رزقه فمن يرزقنا (( أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ) )الملك21 فالرزق إنما يطلب ممن يملكه ويقدر عليه ، وربنا جل جلاله بيده خزائن السموات والأرض (( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) )العنكبوت17 إننا مفتقرون إلى الله تعالى في طعامنا وشرابنا وكسائنا وصحتنا وعلاجنا وفي كل شئوننا ، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي ( يا بنى آدم كلكم كان ضالا إلا من هديت ، وكلكم كان عاريا إلا من كسوت ، وكلكم كان جائعا إلا من أطعمت ، وكلكم كان ظمآن إلا من سقيت ، فاستهدونى أهدكم ، واستكسوني أكسكم ، واستطعموني أطعمكم ، واستسقوني أسقكم ) رواه أحمد بإسناد على شرط مسلم.
وفقرنا إلى الله تعالى دائم معنا ، ملازم لنا ، فكل حركاتنا وسكناتنا بتقدير الله تعالى وتدبيره ، أقر بذلك من أقر به ؛ فخضع لعبادة مولاه جل جلاله ، فكان من الناجين الفائزين ، وأنكره من أنكره ، فاستكبر عن عبادته سبحانه ، فكان من الهالكين المعذبين.
فاعرفوا لله تعالى حقه ، وأقروا بفضله ، وتبرئوا من كل حول وقوة إلا بالله تعالى ؛ فإن ذلك التبرؤ إلا من حول الله تعالى وقوته كنز من كنوز الجنة ؛ لأن فيه اعترافا بالفقر الدائم إلى الله تعالى ، روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى عليه وهو يقول: ( لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال: يا عبد الله بن قيس ، ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله) رواه الشيخان.
(( وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ ) )النحل52
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ؛ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، أحمده كما ينبغي له أن يحمد ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ قيوم السموات والأرض ، خضع الخلق لأمره ، وذلوا لسلطانه ، ولم يخرج أحد عن حكمه (( وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) )الروم26وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ كان يطيل قيام الليل حتى تتفطر قدماه ، قالت عائشة رضي الله عنها: ( إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له ، فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً ) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين ، وأتباعه إلى يوم الدين .
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - فإنكم في ليالٍ عظيمة ، تغفر فيها الذنوب ، وترفع الدرجات ، وتستجاب الدعوات ، وتقال العثرات ، ويعتق الله تعالى خلقاً كثيراً من عباده من النار ، وفيها ليلةٍ مباركةٍ من أدركها وهو على عمل صالح فقبل الله تعالى منه فقد نال خيراً عظيماً ، وحاز فضلاً كبيراً (( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) )القدر3
أيها المسلمون:
كان دأب الرسل إليكم ، وسبيل الصالحين قبلكم:الافتقار إلى الله تعالى ، والانطراح بين يديه ، والاعتراف له بالعجز والفاقة ، والضعف والحاجة ، والتبرؤ من الحول والقوة.