لقد عمت فتنةُ الغناءِ في هذا الزمن وطمت، حتى لم تدع بيتاً إلا دخلته، وهذا والله نذيرُ شؤمٍ وعذاب، يقولُ ابنُ القيم ـ رحمه الله:"فإنَّ من يُعظمُ المغنيات والمغنين، ويجعلُ لهم نوع رياسةٍ وعزٍ لأجل ما يستمعُ به منهنَّ من الغناءِ وغيره، قد تَعرضَ من غضبِ الله ومقته، وسلب نعمه عنه إلى أمرٍ عظيم، ولله كم زالت بهؤلاءِ نعمة عمن أنعم الله عليه فما رعاها حق رعايتها، وقد شاهدَ الناسُ من ذلك ما يطولُ وصفه، وما امتلأت دارٌ من أصواتِ هؤلاءِ وألحانهم، وأصواتِ معازفهم ورهجهم، إلا وأعقبَ ذلك من حُزن أهلها ونكبتهم، وحلولَ المصائبِ بساحتهم، ما لا يفي بتلك الشرور من غيرِ إبطاء، وسلِ الوجودَ ينبيكَ عن حوادثه، والعاقلُ من اعتبرَ بغيره". وقال رحمهُ الله"ومعلومٌ عند الخاصةِ والعامة، أنَّ فتنةَ سماعِ الغناءِ والمعازف أعظمُ من فتنةِ النوحِ بكثير، وإذا شاهدناه نحن وغيرنا، وعرفناه بالتجارب، إنَّهُ ما ظهرت المعازفُ وآلات اللهوِ في قومٍ وفشت فيهم ، واشتغلوا بها إلاَّ سلط الله عليهم العدو، وبلوا بالقحط والجدب وولاة السوء، والعاقلُ يتأملُ أحوالَ العالمِ، وينظر"وصدق رحمهُ الله، فهل من معتبر؟ ألا فليتقِ الله أقوامٌ عكفوا على استماعِ هذا الغناء وآلاته، وملئوا به قلوبهم، وليتق الله أقوامٌ رضوا به في بيوتهم وبين أهليهم، نابذين شرعَ اللهِ وراءهم ظهرياً، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ).
اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم بدل خوفهم أمناً ، وذلهم عزاً، وفرقتهم اجتماعاً وألفة.
اللهمَّ عليك بجندِ الباطل أجمعين، اللهمَّ فرقهم تفريقاً، ومزقهم تمزيقاً، اللهمَّ رُدهم خائبين مهزومين،
اللهمَّ عليك بالخونةِ والمنافقين، اللهمَّ كُن لهم بالمرصاد، وافضحهم على رؤوسِ الأشهاد، يا من لهُ الدنيا والآخرة، وإليه المرجع والمعاد.
عباد الله: إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسان، وإيتاءِ ذي القربى، وينهى عن الفحشاءِ والمنكر والبغي.
أمةَ الإسلام:
إنَ من يتتبعُ التاريخَ، ويستعرضُ المواقفَ الحاسمةَ، والساعاتِ العصيبةَ في تاريخِ الأمةِ ، يرى على رأسِ كلِّ قضيةٍ منهَا ، وفي كلِّ أزمةٍ ومحنةٍ تتهددُ كيانَ هذهِ الأمةِ، وتتحدَى شرفهَا ، وكرامتَها رجلاً من العصاميينَ يستولي على قلبهِ الحزنُ ، والاهتمامُ بهذهِ الحالةِ ، فيذهلُ عن نفسِه وأهلهِ، ويهجرُ راحتُه ولذتُه ، وتتلخصُ الحياةُ عندهُ في حلِّ هذِه الأزمةِ ، وفضِّ هذهِ المشكلةِ ، فلا يقرُّ لهُ قرارٌ ، ولا يهدأُ له بالُ حتىَّ تنجلي هذهِ الغمرةُ ، ويرى نفسُه مكلفاً بذلكَ ،وكأنمَا خُلِقَ لهُ ،وأُمِرَ بِه ، ولا يرى لنفسهِ عُذراً في الاعتزالِ والانصرافِ إلى النفسِ والعيالِ ، وإليكمْ بعضَ النماذجِ من تاريخنَا .
لقدْ علمتمْ ما أصابَ المسلمينَ على إثرِ وفاةِ الرسولِ r من المحنِ ، فقدْ أصيبُوا بِمَا لم تصبْ بهْ أمةٌ في فجرِ حياتِهَا ، وأشرفتِ الدعوةُ الإسلاميةُ على الضياعِ ، حسبكمْ قولُ عروةَ بن الزبيرِ: إنَّ المسلمينَ كانُوا كالغنمِ المطيرةِ في الليلةِ الشاتيةِ ، ولكنَّ اللهَ سُبحانهُ وتعالى قدْ قيّضَ لهذِه المحنةِ أبَا بكرٍ الصديقَ- رضيَ اللهُ عنُه- ، فقامَ قيامَ الأنبياءِ ، وليسَ بنبيْ ، وركَّزَ فكرهُ ، وهمَّهُ على حراسةِ هذا التراثِ العظيمِ ، وردِّ الأمر إلى نصابِه ، وأفرغَ روحهُ في ذلكَ ، وملكتهُ هذه الفكرةُ حتى نسيَ نفسهُ ، وكلَّ ما عدَا ذلكَ ، وكانَ رجلاً غيرَ الرجال ، لقد عُرِفَ بالرفقِ الزائدِ ، وإيثارِ جانبِ اللينِ دائماً على جانبِ الشدةِ والعنفِ ، فتصلبَ ، وخَشُنَ في هذهِ المرةْ ، حتى فاقَ في ذلكَ عمرَ بن الخطابِ المعروفُ بالشدةِ والصلابةِ ؛ لأنَّ الموقفَ يطلبُ ذلكَ ، رأَى أبو بكرٍ أنهُ القائمُ على هذهِ الأمانةِ العظيمةِ، والمسؤولُ عنَها ، ففاضتْ على شفتيهِ تلكَ الكلمةُ البليغةُ المأثورةُ التي تُمَثِلُ نفسيتهُ وشعورهُ خيرَ تمثيلٍ: أيُنقضُ الدينُ وأنا حيٌّ ؟ وبهذه الغيرةِ الملتهبةِ ، والقلبِ المتألمِ ، والنفسِ الأبيةِ ، استطاعَ أبو بكرٍ أن يحفظَ هذا الدينَ، ويورثهُ الأجيالَ القادمةَ كاملاً غيرَ منقوصٍ ، قالتْ عائشةُ - رضي اللهُ عنهَا-: لما قُبِضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ارتدتِ العربُ قاطبةً ، واشرأبَّ النفاقُ ، واللهِ لقدْ نزلَ بأبي مَا لو نزلَ بالجبالِ الراسياتِ لهاضَها، وصارَ أصحابُ محمدٍ r كأنَّهمْ معزىً مطيرةٌ في حشٍّ، في ليلةٍ مطيرةٍ بأرضِ مسبعة، فوا الله ما اختلفُوا في نقطةٍ إلا طارَ أبي بِحطَامِهَا وعنانهَا، وفصلهَا"لذلكَ يقولُ أبو هريرةَ بحقٍ: ( واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو ، لولاَ أنَّ أبَا بكرٍ استُخْلِفَ مَا عُبدَ الله ) قالهَا ثلاثاً ."
أمةَ الإسلام:
وإذا انتقلنَا من القرنِ الأولِ إلى القرنِ السابعِ، عندمَا تدفقتْ الجيوشُ الصليبيةُ من أوروبَا، واكتسحتْ فلسطينَ بما فيَها من إماراتٍ ومقدساتٍ ، وكانتْ كالجرادِ المنتشرِ ، ولم يقفْ في طريقهَا ملكٌ ولا جيشٌ ، وعجزتْ الحكوماتُ الإسلامية عن مقاومتَها ، فاستولتْ على البلادِ والعبادِ ، وهُدِدَتْ هذه الأمةُ العظيمةُ وحضارتهَا ، وكانَ الخطبُ جسيماً ، ووقفَ العالمُ الإسلاميُّ على مفترقِ الطرقِ ، فلو جرتْ الأمورُ إلى مجاريَها لكانَ فريسةَ الاحتلالِ والاستعمارِ في القرنِ السادسِ كمَا كانَ في القرنِ التاسعِ عشرْ ، وكانَ الأمرُ أعظمُ من أنْ يقومَ لهُ ملوكٌ وقواد ، ويكونُ الدفاعُ عن القدسِ واستقلالِ العالمِ الإسلاميِّ ، بعضَ همومْهم، أو من هوامشِ حياتِهِم ، إنمَا كانَ ينبغي لهُ رجلٌ يكونُ الأمرُ كلَّ همهِ ، كانَ ذلكَ الرجلُ السُلطانَ صلاحَ الدينِ الأيوبي الذي اختارهُ اللهُ لهذه المهمةِ ، وهيأَ هو نَفْسَهُ لها، فقدْ حَكَى عنهُ صاحبهُ القاضي بهاءُ الدينِ المعروفُ -بابنِ شداد- أنَّهُ تابَ عن المحرماتِ، وتركَ الملذاتِ، ورأَى أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى خلقهُ لأمرٍ عظيم، لا يتفقُ معهُ اللهوُ والترفُ .
قامَ صلاحُ الدينِ للدفاعِ عن فلسطينَ، وردَّ الغارةِ الصليبيةِ ، وركَّزَ فكرُهُ عليهِ ، وتفرغَ لهُ ، واستولتْ عليهِ هذهِ الفكرةُ استيلاءً تاماً حتىَ لم تدع لغيرَها موضعاً، يقولُ ابنُ شداد في سيرتِه: لقد كانَ حبُّهُ للجهادِ والشغفِ بهِ، قدْ استولىَ على قلبِه وسائرِ جوانحهِ استيلاءً عظيماً، بحيثُ مَا كانَ لهُ حديثٌ إلا فيهِ ، ولا نظرٌ إلاَّ في آليتهِ، ولقد هجرَ في محبةِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ أهلهُ وأولادهُ ووطنهُ وسكنهُ وسائرَ بلادِه ، وقَنِعَ من الدنَيا بالسكونِ في ظلِّ خيمتِه، تهبُّ بها الرياحُ ميمنةً وميسرة ، وكانَ الرجلُ إذا أرادَ أن يتقربَ إليهِ يحثُهُ على الجهادِ )