فهرس الكتاب

الصفحة 8755 من 9994

وقد حملَ السلطانُ همَّ القدسِ ، فأخذَ منهُ كلَّ مأخذ، وحلَّ في قرارةِ نفسِه، قالَ ابنُ شداد: وكان-َ رحمهُ اللهُ- عندُه من القدسِ أمرٌ عظيم لا تحملهُ الجبالُ ، ومهمَا حاولتُ أنْ أصفَ هذا الهمَّ الذي استولىَ على صلاحِ الدين ، وأُصوِرُ ما كانَ فيهِ من قلقٍ وإزعاجٍ دائم ، وشدةَ اهتمامٍ باستردادِ البلادِ ، وتحريرِ القدسِ وردِّ الأوربيينَ على أعقابهمْ ، لا أستطيعُ أن أزيدَ على وصفِ ابن شدادٍ له بالوالدةِ الثكلَى، ولا أستطيعُ أن آتيَ بتعبيرٍ أبلغُ وأدقُ من هذاَ ، ويقولُ- رحمهُ الله- في وقعةِِ عكَّا: ( وهو ـ أي السلطانُ ـ كالوالدةِ الثكلىَ ، يجولُ بفرسهِ من طلبٍ إلى طلبْ ، ويحثُّ الناسَ على الجهادِ، ويُناديْ بالإسلامِ وعيناهُ تذرفانِ بالدموعِ ، وكلَّمَا نظرَ إلى عكَّا ، وما حلَّ بهِا من البلاءِ ، وما يجريْ على ساكنِيها من المُصابِ العظيمِ ، اشتدَّ في الزحفِ ، والحثِّ على القتالِ ، ولم يَطْعَمْ في ذلكَ اليومِ طعاماً البتةَ، وإنَّما شَرِبَ أقداحَ مشروبٍ كانَ يُشِيْرُ بها الطبيبُ ) ويقولُ في فتحِ الطريقِ إلى عكَّا: ( والسلطانُ يواليِ هذهِ الأمورَ بنفسِه، ويُكَافِحُهَا بذاتِه، لا يتخلفُ عن مقامٍ من هذه المقاماتِ ، وهو من شدةِ مرضهِ ، وفورِ همتِه كالوالدةِ الثكلَى ، ولقدْ أخبرني بعضُ أطبائِهِ أنهُ بقيَ من يومِ الجمعةِ إلى يومِ الأحدِ لم يتناولْ من الغذاءِ إلا شيئاً يسيراً لفرطِ اهتمامِه )

وقالَ في ذكرِ الواقعةِ العادلة: ( لقد رأيتهُ رحمهُ اللهُ قدْ ركبَ من خيمتِه، وحولُه نفرٌ يسيرٌ من خواصهِ، والناسُ لم يتمَّ ركوبهمْ ، وهو كالفاقدةِ ولدهَا ، الثاكلةِ واحدهَا )

بهذا الهمِّ الشاغلِ، والنفسِ القلقةِ، والقلبِ المنزعجِ، استطاعَ صلاحُ الدينِ أنْ يُكملَ مهمتهُ ، ويكتسبَ الفتحَ المبينَ في معركةِ حطينَ ، وما كانَ اجتماعُ الجيوشِ عندُه ، والتفافُ الأمراءِ إلا صدىً لقلبهِ الخفاقِ، وإيمانهِ الفياضِ ، وصدرهِ الجياشِ ، وروحهِ الملتهبةِ ، ولا ترونَ انتصاراً باهراً في التاريخِ ، ومعركةً حاسمةً ، إلا من ورائها قلبٌ يخفقُ ، وعرقٌ ينبضُ ، وليثٌ يثورُ ، وشجاعٌ يغضبُ .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..

الخطبة الثانية

أيُّها الفضلاء:

وبالمقابلِ فإنَّ تلكَ الأحداثَ العصيبة التي مرتْ بالأمة،ِ وقفَ لها رجالٌ خانُوا الأمةَ في أحلكِ الظروفِ، وأحرجِ المواقفِ، في وقتٍ كانتْ بأمسِ الحاجةِ إلى صمودهمْ وثباتهمْ في صفهَا، فإذا بهمْ ينقلبونَ سِهاماً تُغْرَسُ من خلفهَا، وسيوفاً تُطْعَنُ في ظهرهَا، فالدولةُ العباسيةُ من أعظمِ دولِ الإسلامِ، وحكامهَا وإن أصابَ بعضهْم تقصيرٌ وخللٌ إلا أنهمْ من أعظمِ ملوكِ الإسلامِ أثرًا في تاريخِ المسلمينَ، وفي عهدهمْ ازدهرتْ بيارقُ العلمِ من جهةٍ، وازدهرتْ بيارقُ الجهادِ من جهةٍ، فوصلتْ راياتُ المسلمينَ شرقًا وغربًا إلى ما لم تصلهُ قبلَ ذلكَ، وبلغَ سلطانُ المسلمينَ ومُلْكُهُمْ أَوْجَّهُمَا في عهدِ هارونَ الرشيد، ذلكَ الملكُ العباسيُ العابدُ المجاهدُ، الذي كانَ يغزوُ سنةً ويحجُ سنةً، ثمَ طرأتْ العللُ على هذهِ الدولةِ الإسلاميةِ العظيمةِ فَضَعُفَتْ،والسؤالُ الذي يطرحُ نفسهُ، كيفْ انهارتْ هذهِ الدولةُ الإسلاميةُ العظيمةُ ؟!لقد كانَ سببَ سقوطَها على يدِ وزيرٍ باطنيٍ رافضيٍ خبيث، وقصةُ ذلكَ أن آخرَ الخلفاءِ كانَ ضعيفَ الرأيَّ، محبًا للأموالِ، متبعًا للشهواتِ، ومن غفلتِه اتخذَ وزيرًا باطنيًا رافضيًا خبيثًا، هو محمدُ بنُ العلقمي، فأتمنهُ على شئونِ الدولةِ، فأخذَ الوزيرُ الخبيثُ يصرفُ الجنودَ من حولِ الخليفةِ شيئًا فشيئًا، حتىَّ إنَّهُ لم يبقَ حولَ الخليفةِ في العاصمةِ العباسيةِ حينئذٍ بغدادْ، لم يبقَ فيهَا إلا عشرةَ آلافِ فارسٍ، ثُمَّ أخذَ محمدُ بنُ العلقميِّ يكاتبُ التتارَ حتى إذا أقبلتْ جيوشُ التتارِ متلاحمةً كالبحارِ، أقبلتْ إلى بغدادَ وليسَ فيهَا حولَ الخليفةِ إلاَّ تلكَ القوةِ الضعيفةِ من الجند،ِ زَيَّنَ الوزيرُ بنُ العلقميِّ إلى الخليفةِ أن يخرجَ إلى هولاكُو قائدِ التتارِ، من أجلِ التفاوضِ على الصلحِ، فخرجَ الخليفةُ من غفلتِهِ، ومعهُ سبعمائةٍ من الأعيانِ والقضاةِ والعلماءِ، فقتلهمُ التتارُ عن بكرةِ أبيهمْ، وقُتل الخليفةُ المستعصمُ بينَ يديْ هولاكُو صبرًا، ومعهُ سبعةَ عشرَ من خواصِه، منهمْ ثلاثةٌ من أبنائهِ.

وذكرَ المؤرخونَ أنَّ عدوَّ اللهِ هولاكو التتريُّ الوثنيُّ، تَهَيَّبَ في بادئِ الأمرِ من قتلِ الخليفةِ، لمَا يعلمُ من مكانتِه في قلوبِ المسلمينَ، فأخذَ ابنُ العلقميُّ الوزيرُ الخائنُ، الرافضيُّ الخبيثُ، يُهَوِّنُ عليهِ ذلكَ ويُزَيِّنُهُ لهُ حتى قتلهُ، وابنُ العلقميِّ يتفرجُ على ذلكَ.

ثُمَّ دخلَ التتارُ بغدادَ، وقدْ فتحَ أبوابهَا الوزيرُ ابنُ العلقميُّ، فدخلُوا يقتلونَ وينهبون،َ ويأسرونَ ويدمرونَ ويحرقونَ أربعينَ يومًا، حتى أصبحتْ بغدادُ التي كانتْ حين ذاكَ زهرةَ مدائنِ الدنيَا، أصبحتْ خرابًا يبابًا، تنعقُ فيهَا البومُ، وقُتلَ فيهَا كما يذكرُ ابنُ كثيرٍ في تاريخِهِ حوالي ألفي ألفَ إنسانٍ، أي حوالي مليونينِ من المسلمينَ، والوزيرُ الرافضيُ الخبيثُ ابنُ العلقمي يتفرجُ على تلكَ الكارثةِ الهائلةِ التي حلتْ بالمسلمينَ، وسقطتْ تلكَ الدولةُ العباسيةُ الإسلاميةُ العظيمةُ، التي استمرَّ مُلكَها أكثرَ من خمسمائةِ سنةْ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ .

ومن الرجالِ الذينَ لهم مواقفُ مشهودةٌ في ضياعِ الأمةِ، والذي على يديهِ تمَّ سقوطُ الخلافةِ الإسلاميةِ العثمانيةِ، مصطفى كمال، الذي لَبِثَ في أولِ أمرهِ فترةً يتمسحُ بمسوحِ الإسلامِ، ولقَّبَ نفسهُ بالغازيْ في سبيلِ اللهِ، وأعلنَ الجهادَ ليخدعَ المسلمينَ، لتنطلي حيلتهُ على السذجِّ، ولقد انطلتْ حيلتهُ فعلاً، حتى مدحهُ أحمد شوقي في قولهِ:

اللهُ أكبرُ كمْ في الفتحِ من عجبٍ يَا خالدَ التُرْكِ جَدِّدْ خالدَ العربِ

وانخدعَ بهِ وظنهُ فعلاً، مُجاهداً غازياً في سبيلِ اللهِ، وما لبثَ ذلكَ الطاغوتُ أنْ كشَّرَ عنْ أنيابهِ، فإذَا هو عدوٌّ للهِ ورسولِه، فتكَ بالمسلمينِ في ديارِ التركِ، وسفكَ دماءَ علمائهمْ، وحاربَ مظاهرَ الإسلامِ وشعائرهُ، وحَرَّمَ التكلمَ والكتابةَ بالعربيةِ، واستبدلَ بها اللغةَ التركيةَ والحروفَ اللاتينيةَ، وقد وصلتْ بهِ الوقاحةُ أنْ منعَ أنْ يُؤَذَّنَ بالعربيةِ، وأوجبَ أنْ يكونَ الأذانُ بالتركيةِ من شدةِ سخريتِه بالإسلامِ و المسلمين، لقدْ خدمَ الماسونيةَ خدمةً عظيمةً، حتى قالُوا عنهُ كما في دائرةِ المعارفِ الماسونيةِ: ( إنَّ الانقلابَ التركيَ الذي قامَ بهِ الأخُ العظيمُ مصطفى كمالْ أتاتوركْ، أفادَ الأمةَ، فقدْ أبطلَ السلطنةَ وألغىَ الخلافةَ، وأبطلَ المحاكمَ الشرعيةَ، وألغَى دينَ الدولةِ الإسلاميةِ، أليسَ هذَا الإصلاحُ هو ما تبتغيهِ الماسونيةُ في كلِّ أمةٍ ناهضةٍ، فمنْ يماثلُ أتاتوركَ من رجالاتِ الماسون سابقاً ولاحقاً ) [1]

أيُّها الأخوةُ النبلاء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت