وذكر الإمام البغوي عن الشعبي قال: خرج ناس من أهل الكوفة إلى الجبانة ـ أي إلى الصحراءـ يتعبدون واتخذوا مسجدًا وبنوا بنيانا، فأتاهم عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فقالوا: مرحبًا بك يا أبا عبد الرحمن لقد سرّنا أن تزورنا، قال: ما أتيتكم زائرا، ولست بالذي أترك حتى يهدم مسجد الجبان، إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أرأيتم لو أن الناس صنعوا كما صنعتم من كان يجاهد العدو، ومن كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ومن كان يقيم الحدود؟ ارجعوا فتعلموا من هو أعلم منكم، وعلموا من أنتم أعلم منهم. قال: واسترجع فما برح حتى قلع أبنيتهم وردهم.
وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه:"مادمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق".
وقال معاذ بن جبل - رضي الله عنه:"مدارسة العلم تسبيح".
حقيقة العبادة التي خلق من أجلها الثقلان
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطَّلع عليه من المسلمين، سلك الله بي وبهم سبيل عباده المؤمنين، وأعاذني وإياهم من طريق المغضوب عليهم والضالين آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فإن أهم واجب على المكلف وأعظم فريضة عليه، أن يعبد ربه سبحانه رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم القائل في كتابه الكريم:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
وأخبرنا سبحانه في موضع من كتابه أنه خلق الثقلين لعبادته، فقال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ وهذه العبادة التي خلق الله الثقلين من أجلها هي توحيده بأنواع العبادة من الصلاة والصوم والزكاة والحج والسجود والطواف والذبح والنذر والخوف والرجاء والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة، وسائر أنواع الدعاء، ويدخل في ذلك طاعته سبحانه في جميع أوامره وترك نواهيه على ما دل عليه كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسلي، وقد أمر الله سبحانه جميع الثقلين بهذه العبادة التي خلقوا لها، وأرسل الرسل جميعا، وأنزل الكتب لبيان هذه العبادة وتفصيلها والدعوة إليها، والأمر بإخلاصها لله وحده، كما قال تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقال عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ومعنى قضى ربك في هذه الآية أمر وأوصى، وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
وقال عز وجل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ الآية، وقال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ الآية، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ وقال تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ .
موقع الشيخ ابن باز
أسامة العتيبي
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
إن المسلم قد يكون عاملًا خيرًا ولكنه يحرم لذة العبادة ومناجاة الله ـ عز وجل ـ بسبب الذنب يصيبه.
عقوق الوالدين:
ومن الذنوب التي قد تكون سببًا في ذهاب لذة الطاعة والعبادة: عقوق الوالدين فإنه من كبائر الذنوب.
قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا 23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا {24} رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا
فأمر الله ببر الوالدين بعد عبادته مباشرة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (( لا يدخل الجنة عاق ) )، والجنة تحت قدم الأم، ورضا الله برضا الوالدين، وسخطه بسخطهما.
فعلى من يغضب والديه أو أحدهما أن يقبل رأسهما ويدهما ويستسمحهما على ما مضى، وأن يطلب منهما العفو والمسامحة، وأن يطلب منهما أن يدعوا له بالتوفيق والسداد؛ فقد يكون الحرمان من لذة الطاعة بسبب إغضاب الوالدين أو أحدهما، فيجب التنبه لهذا فإنه مهم.
وقد جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليجاهد في سبيل الله وليبذل نفسه في سبيل الله ولكنه ترك والديه يبكيان على فراقه وسفره فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما ) ).
وجاء رجل من أهل اليمن حاجًا ومعه أمه يحججها فجعل يطوف بها وهي على ظهره لعجزها عن المشي فلقي عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فسأله: هل ترى أني أديت أمي حقها؟ فقال له ابن عمر - رضي الله عنه: ولا بزفرة من زفراتها حين الولادة!! [يعني طلقة من طلقاتها] .
فسبحان الله!!
ما أعظم حق الوالدين، وما أحسن البرَّ وما أعلاه من عمل صالح.
فيا خيبة وخسران من أدرك أحد والديه حيًا ولم يغفر له!
فقد جاء جبريل وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم-: (( رغم أنف امرئ أدرك أبويه حيًا ولم يغفر له، قل: آمين ) )فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (( آمين ) ).
فأسأل الله أن يوفقنا لعمل الخير، وأن يكسب جميع من بقي والداه على قيد الحياة رضاهما، وأن يسدد خطانا.
الغيبة:
ومن الذنوب التي تذهب لذة العبادة: الغيبة.
والغيبة من كبائر الذنوب ومما جاء فيها التهديد والوعيد في الكتاب والسنة. قال تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( الغيبة ذكرك أخاه بما يكره ) ).