فهرس الكتاب

الصفحة 4293 من 9994

#تلاوة القرآن

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

حديثنا موصولٌ بالقرآن رأيناه محوراً لحياة أمة الإسلام في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام ، ووقفنا متأملين في عظيم قدره ورفيع منزلته وجليل مقامه وعظيم منة الله - عز وجل - علينا به .

ولعلنا نقف وقفات متتابعة عن واجبنا تجاه القرآن ، وكيف نحقق ما نصبو إليه ؟ وما نذكر أنفسنا به من أن شفاء أدوائنا وعلاج أمراضنا كله في العودة إلى الكتاب والسنة ، ولابد من شيءٍ من التأني ومن التروي والتفصيل إلى حدٍ ما في مثل هذه المعاني علّها أن تكون عوناً لنا على صدق عودتنا وعلى صواب منهجنا وعلى كمال صلتنا بكتاب ربنا .

وأول ما نقف عنده: تلاوة القرآن .

إذ هي أول صلة وهي جسر إلى التدبر وطريقٌ إلى فهم المعاني وسبيلٌ إلى معرفة علوم القرآن وهي كذلك مُعينة على التزام الأوامر واجتناب النواهي وما يلحق بذلك من واجبات .

وهذه التلاوة القرآنية نزل بها أمر الله - عز وجل - للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - ولأمته من بعده لأن الأمر له ولأمته كما جاء في قول الحق عز وجل:

{ إنما أُمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ووله كل شيء وأُمرت أن أكون من المسلمين* وأن أتلو القرآن } .

أي وأُمرت أن أتلو القرآن قال ابن كثير أي أتلوه على الناس وأُبلغهم إياه والمقصود أن النبي أُمر بتلاوة القرآن لنفسه ولأمته ولتبليغه للناس وبيانه ولتحريك القلوب به وإحياء النفوس به بإذن الله - عز وجل - .

وقد جاء في دعاء إبراهيم: { ربنا وأبعث فيهم رسولٌ منهم يتلو عليهم آياتك } .

وقال جل وعلا: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة } .

فالتلاوة هي الطريق إلى هذا العلم والجسر إلى ذلك الفهم .

وهي الباب الذي يلج منه الإنسان إلى تأثر قلبه وميل نفسه وهداية عقله واستقامة سلوكه بالقرآن الكريم: { وأتلو ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته } .

أمرٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يشغل لسانه بتلاوة القرآن وأن يجعله مِلئ الأسماع والآذان حتى يقع به تحريك النفوس والقلوب بإذنه - جل وعلا - وقال سبحانه وتعالى: { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه } .

وهذا يبيّن أن شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وشأن أهل الإيمان والآية في معنى اطلاع الله - عز وجل - ومعرفته بكل أحوال الإنسان وذكر منها على وجه الخصوص الشأن والحال الذي ينشغل فيه المرء بتلاوة القرآن فهذه تلاوة القرآن أمر الله وهي النفع والفائدة والباب الذي يلج منه إلى كثير من الفوائد والمنافع .

ولنقف مع الأجر ، ولننظر إلى الأثر ، ولنعرف الآداب ، ولنجتنب المحاذير في شأن تلاوة القرآن ، أما الأجر فتأتينا الآيات التي تُهيّج النفوس المؤمنة والقلوب المُحبة المتشوقة إلى مثوبة الله ورضوانه:

{ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفورٌ شكور } .

وصيغة المضارع كما نعلم أنها صيغة الاستمرار والدوام فألسنتهم دائمة مشغولة بذكر الله وتلاوة القرآن:

{ الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة } .

والقرآن من إقامة الصلاة وهو لبّها في قراءة الفاتحة وما بعدها: { وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور } .

فهو بابٌ عظيم من أبواب المتاجرة مع رب الأرباب وملك الملوك الذي لا تنفذ خزائنه والذي يعطي عطاء ليس له وصف ولا له حد والذي لو أعطى كل سائل مسألته ما نقص من مُلكه شيءٌ إلا كما ينقص المخيط إذا غُمس في ما البحر ثم أُخرج منه .

ويبيّن الحق جل وعلا أن المقبلين عليه بتلاوة كتابه وتدبر آياته أنه - سبحانه وتعالى - يقابله وفاءاً بالأجر منه ومن أوفى من الله - سبحانه وتعالى - وزيادة وإكراماً بالفضل والمزيد من الإحسان منه - سبحانه وتعالى - ومن أكرم منه جل وعلا .

وبيّن الحق - عز وجل - بعد ذلك أنه غفورٌ شكور يغفر لمن غَفَلَ أو سها أو قصّر أو فرّط ويشكر من ذكر وأقبل وتقدم لمرضاة الله سبحانه وتعالى .

وهذه أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التي تبيّن لنا عظيم الأجر والمنفعة التي نجنيها بتلاوة القرآن التي قصرّنا قيها وربما مرت بنا أيام وليالٍ لم نقرأ فيها آية ولم ننظر فيه في مصحف ولم نتفرغ فيها لإحياء قلوبنا بهذه الآيات .

هذه عائشة رضي الله عنها تروي عن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة - أي الذي يحسن التلاوة ويجيدها تصحيحاً وترتيلاً مع السفرة الكرام البررة ، منزلته مع الملائكة الأطهار في منزلة عالية سمواً بإيمانه وارتفاعاً وقرباً لصلته بالله عز وجل ورفعة لمنزلته وتعظيماً لأجره - والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت