فهرس الكتاب

الصفحة 8337 من 9994

وفي عام مائتين وأربع وثلاثين جمع المتوكلُ الفقهاءَ والمحدثين وأجرى عليهم المال، وأمرهم أن يحدثوا الناس بالأحاديث التي فيها الرد على الجهمية والمعتزلة.

وقد ذُكر عند المتوكل أن أصحاب أحمد يجري بينهم وبين أهل البدع الشرُّ، فقال المتوكل لصاحب الخبر: لا ترفع إليَّ من أخبارهم شيئاً، وشد على أيديهم، فإن صاحبهم من سادة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عرف الله لأحمد صبره وبلاءه، ورفع علمه أيام حياته وبعد موته، وأصحابُه أجل الأصحاب، فانا أظن أن الله يعطي أحمد ثواب الصديقين.

ومع نصرة المتوكل للسنة فإن الإمام أحمد لم يره ولم يقبل منه مالا ولا عطاء، وقد وجه له المتوكل بمال، فبكى وقال: سلمت من هؤلاء حتى إذا كان آخر عمري بليت بهم؟!

وكان يدعو رحمه الله ألا يرى المتوكل، ولما أخبر بمحبة أمير المؤمنين له وشوقه إليه كان يعد ذلك فتنة، ويقول: والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان (أي الفتنة) ، وإني لأتمنى الموت في هذا، وذاك أن هذه فتنة الدنيا، وكان ذلك فتنة الدين، ثم جعل يضم أصابعه ويقول: لو كانت نفسي في يدي لأرسلتها ثم يفتح أصابعه.

إنّ مما ينبغي أن يعرفه من دان بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وزعم أنه على الاتباع، ألا يخذلها حيث تحتاج إلى النصرة والبيان، وتوضيحِها للمسلمين، ويتأول في ذلك التأويلات الخاطئة، مخافة تهويش مبتدع، وأرجاف رائغ، وليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يمنعن أحدا منكم مخافة الناس أو بشر، أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه، أو رآه أو سمعه".

ولذا فقد كان الإمام أحمد إذا ذكر العلماء الذين أجابوا المأمون خوفا من بطشه يقول: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل ـ يعني المأمون ـ ولكنهم لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم.

وكان إذا ذكرهم اغتم لذلك، وقال: هم أول من ثلم هذه الثلمة وأفسد هذا الأمر.

وقد جاء الإمام يحيى بن معين ـ وكان ممن أجاب في الفتنة متأولا ـ فدخل على أحمد وهو مريض فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، وكان أحمد قد حلف ألا يكلم أحداً ممن أجاب حتى يلقى الله عز وجل، فما زال يعتذر فلم يقبل منه شيئا.

فالسنةَ السنةَ يا أهل السنة ـ تمسكاً وعلماً وعملاً ودعوةً ـ فهي الرصيد الباقي وأعظم ما يقربكم من الله عز وجل، كيف لا؟ وهي الحمية لدين خير الورى محمد صلى الله عليه وسلم.

ولا يتهاون المرء عن نصرة السنة خوفاً من عداءٍ، او مجاملةً لعدو، وليعلم أنه كلما كان بدين الله أقوم كلما كانت الحرب عليه أشد وأشنع، قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} ، وكل من كان على طريقة الأنبياء الواضحة الناصعة، ودعا إليها، لا بد وأن يكون له أعداء من المجرمين، ولكن الله تكفل بهدايةِ من دعا إلى سبيلهم ونصرِه.

ومن كان الله معه فممن يخاف ومن يرهب، والقلوب بين أصابعه يقلبها كيف يشاء ومقاليد الأمور في يده يصرفها كيف يشاء..

قال تعالى: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه} .

كفكف دموعك فالطريق طويل لا تترك الدمع العزيز يسيل

في أول الدرب الطويل تحسر ماذا عساك ـ إنِ ابتليت ـ تقول

يا أيها السني لا تجزع إذا شح الوجود وهاجمتك فلول

واعلم بأن الله ناصر عبده وله مقاليد الأمور تؤول

اللهم اغفر لنا وارحمنا، وتوفنا وأنت راض عنا، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

14 شوال 1425هـ ـ 26/11/2004م

الزوجة.. صديق العمر، ولا بد لهذا الصديق أن يكون وفياً إن كتب الله وأكمل الدرب أو تفرقا أن يستر العيب، فلا بد أن تحسن الاختيار لهذا الصديق الذي سيشاركك أدق تفاصيل حياتك، حلوها ومرها، طويلها وقصيرها، فرحها وحزنها، وحين تفكر في الارتباط بامرأة ما، ضع أمام عينك هذا السؤال: لو حصل وحدث لك عائق من العوائق المليئة بالمفاجآت، هل ستكون عوناً لك أم أنها تتخلى عنك للوهلة الأولى؟

وضع أمام ناظريك سؤالاً آخر: لو لم يحصل بينكما الوفاق وطلقتها، فما نوعية المجتمع الذي سيعيش فيه أولادك؟

ومما يعينك على الاختيار أن تنظر إلى سلوك والدة المرأة التي ترغب في الارتباط بها، فإنه ومن خلال التجارب الطويلة، تبين أن الغالب في البنت أنها تكتسب سلوك والدتها مهما كان مستوى البنت جامعية او دكتورة أو غير متعلمة أو....أو... وأمها على عكس ذلك، ولذا اسأل جيداً عن والدتها..

فإن كانت طويلة اللسان.. أو غير نظيفة في طبخها ومنزلها.. أو نمامة أو كثيرة الكلام فغالباً ما تكتسب ابنتها هذا السلوك، وقد ينجو القليل النادر.

ولذا فإن إطلاق التعليقات الساخرة والاستهزاءات المنفرة من قبل أناس على والدات زوجاتهم لأنهم ابتلوا (بحموات سيئات) ، ومن الخطأ أن نعمم هذا الحكم، فإن من الحموات من كانت عوناً للرجل على ابنته، تكتم السر وتبني البيوت ولا تهدم، وتجعل القليل من زوج ابنتها الكثير كعظم الجبال، وهذا الصنف من أعقل النساء فهي بهذا تبني بيت ابنتها، وتخفف الحمل عن زوجها، بل ويصل الزوج إلى درجة من الراحة أنه لو ترك زوجته عند والدتها سنة كاملة لم يُبال بذلك، لأنه يعرف أنها سترجع بعد ذلك أفضل حالاً مما كانت عفة وحياء وديانة ونظافة وخبرة في الحياة.

وإننا نقول هذا إنصافاً لبعض الحموات، ممن يتمتعن بصفات الخير، ولذا انتبه جيداً إلى والدة زوجتك فإنها المؤثر الفعلي ـ في الغالب ـ على سلوك زوجتك التي ستضمها بين جدران بيتك.

قال شريح القاضي:"خطبت امرأة من بني تميم فلما كان يوم بنائي بها أقبلت نساؤها يهدينها حتى دخلت علي، فقلت: إنه من السنة إذا دخلت المراة على زوجها أن يقوم ويصلي ركعتين، ويسأل الله تعالى من خيرها ويتعوذ من شرها، فتوضأت، فإذا هي بوضوئي، وصليت فإذا هي بصلاتي، فلما خلا البيت دنوت منها، فمددت يدي إلى ناحيتها فقالت: على رسلك يا أبا أمية."

ثم قالت: الحمد لله أحمده أستعينه وأستغفره، وأصلي على محمد وآله، أما بعد: فإني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك فبيّن لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأجتنبه، فإنه قد كان لك منكح في قومك ولي في قومي مثلك، ولكن إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله تعالى به {إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} .

فقلت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي وأسلم على محمد وآله وصحبه، أما بعد.. فإنك قلت كلاماً إن ثبت عليه يكن ذلك حظاً لي، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وأكره كذا، وما رأيت من حسنة فبثيه، وما رأيت من سيئة فاستريها، فقالت: كيف محبتك لزيارة الأهل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت