الحمد لله المنفرد بالبقاء والقهر، الواحدِ الأحدِ الفرد الصمد، ذي العِزَّة والستر، الذي لا ندَّ له فيبارَى، ولا معارض له فيمارى، ولا شريك له فيدارى، كتب الفناء على أهل هذه الدار، وجعل عقبى الذين اتقوا الجنة وعقبى الكافرين النار، قدر مقادير الخلائق وأقسامها، وبعث أمراضها وأسقامها، وخلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وجعل للذين أحسنوا الدرجات، وللذين أساؤا الدركات، رحمة وعدلاً، أحمده على حلو القضاء ومره، وأعوذ به من سطواته ومكره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً لم يزل عظيماً علياً، جباراً قهاراً قوياً، جل عن التشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير، وتقدَّس عن التعطيل، وتنزه عن التمثيل.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله رحمة للعباد، ونقمة على الكفرة من أهل البلاد، فدعا إلى الجنة، وأرشدهم إلى اتباع السنة، وجعل أعلاهم منزلة أعظمهم صبراً، فمن استرجع في مصيبته واحتسبها ذخراً، كان له منزلةً عاليةً وقدراً، وكان مقتفياً هدياً ومتبعاً أثراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته الأخيار، وسلم تسليماً كثيراً مستمراً متصلاً متعاقباً ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
أيها المسلمون: يقول الله-تبارك وتعالى-: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:157) .
وقال-تعالى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التغابن:11) . قال علقمة وجماعة من المفسرين:"هي المصائب تصيب الرجل، فيعلم أنه من عند الله فيرضى ويسلم".
عباد الله: إن المصاب لا بد أن يعلم أن الذي ابتلاه بمصيبته أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسل البلاء ليُهلكه به ولا ليعذبه، ولا ليجتاحه، وإنما ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرّعه وابتهاله وليراه طريحاً على بابه لائذاً بجنابه، مكسور القلب بين يديه رافعاً قصص الشكوى إليه (1) .قال الله-تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة:155) .
وقال-تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10) . وقال-تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد:31) .
أيها المسلمون: إن الله-سبحانه وتعالى-قد بشر أصحاب المصائب إنهم صبروا بالأجر العظيم والكبير، فلله الحمد على فضله وجزيل عطائه، وهذا رسوله-صلى الله عليه وسلم-يبشر الصابرين على المصائب، بقوله: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذىً ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كثر بها من خطاياه) (2) .
وقال-عليه الصلاة والسلام-: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) (3) . فإذا صبر صاحب المصيبة حصل على الأجر والثواب والمغفرة والرحمة.
قال الفضيل بن عياض-رحمه الله-:"إن الله-عزوجل-ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير" (4) .
عبد الله: متى ما أصابك مكروه في بدنك, أو مالك, أو ولدك، أو حبيبك فاعلم أن الذي قدره حكيم عليم لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يقُدر شيئاً سدى، وأنه- تعالى-رحيم قد تنوعت رحمته على عبده، يرحمه فيعطيه، ثم يرحمه فيوفقه للشكر، ويرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر، فرحمة الله متقدمة على التدابير السارة والضارة ومتأخرة عنها، ويرحمه أيضاً بأن يجعل له بذلك البلاء مكفراً لذنوبه وآثامه ومنمياً لحسناته ورافعاً لدرجاته (5) .