ومن قال إنها ستحللك، وهي ترى نساء أقل منها عقلاً ودينا وحسبا وجمالا وعفة، قد تزوجن، وهي استكملت جميع الصفات التي يرغب بها الخطاب وقد حكمْت عليها بالحبس بين الجدران المظلمة، كالأسيرة التي تنتظر بصيصا من نور يكشف عنها الظلمة الحالكة التي خيمت على عينيها طويلاً.
فهل تظن أن هذا هين؟!!
امرأة عضلها والدها عن الزواج، فلما حضرته الوفاة طلب منها أن تحلله، فقالت: لا أحلك لما سببته لي من حسرة وندامة، وحرمتني حقي في الحياة.
ماذا أعمل بشهادات أعلقها على جدران منزل لا يجري بين جدرانه طفل؟!
ماذا أفعل بشهادة ومنصب؟ أنام معهما على السرير؟
لم أرضع طفلاً، لم أضمه إلى صدري، لم أشكو همي إلى رجل أحبه وأوده ويحبني ويودني، حبه ليس كحبك؟ مودته ليست كمودتك؟
لا جعلتك في حل أبدا.
وأخرى حضرها الموت، وقد كبرت سنها، وكانت تخطب كثيرا، ومرغوبة عند الناس، وأبوها يأبى أن يزوجها، وفي سياق الموت قالت للنساء الحاضرات: قولوا لأبي: إن بيني وبينه موقفاً يوم القيامة بين يدي الله عز وجل ـ حيث وقف في طريقي ومنعني الزواج.
أيها المستبد: إنك عما قريب ميت.. أما فكرت في حال هذه الضعيفة؟
هل ستتركها تحت رحمة الأخوان المنشغلين بأنفسهم، أو خادمةً لزوجة الابن تسومها سوء العذاب؟ أو تريد أن تدفعها نحو (الخطأ..؟) .
مالي أراك لا زلت غارقاً في غفلة الجهل وظلام القسوة؟!
أين عقلك؟!
قم سارع الخطى لتصحيح ما فاتك مادام في العمر بقية، فلعلك لا تدرك الغد وأنت عازم على التوبة والإنابة وتصحيح الخطأ، فيكون ذلك شفيعا لك بين يدي الله عز وجل.
وأنت أيتها المرأة المجاهدة:
عليكِ أن تصبري على البلاء، وتحتسبي مصيبتك عند الله: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} (10) ، فمهما طال ليل البلاء فلا بد أن ينجلي، ولا بدَّ لرياح الخريف أن ترحل، ولا بد لغيوم الحزن أن تنقشع وتظهر شمس الأمل..
ولرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجَت وكنت أظنها لا تُفرج
ويا معاشر العقلاء:
إن الموفق من سن في الإسلام سنة حسنة، فسار الناس عليها، ففاز بالأجر والمثوبة، قال صلى الله عليه وسلم:"من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (11) .
هذا وإن مما يسر كل ذي لبٍّ، ما ذهب إليه بعض العقلاء من رؤوس القبائل والعائلات، من تزويج بناتهم من أكفاء، ولو لم يكونوا من خاصتهم، متخطين بذلك بعض الأعراف الظالمة المجحفة التي تحكم على المرأة بالجلوس عزباء إذا لم تقدم لها أحد من خاصتها.
إن هذا منتهى العقل والحكمة، ودليل على الشفقة والرحمة.
فأي عقل بعد هذا حيث يستر الرجل عورته بزواج ابنته، ويخلص من إثمه، ويتمم حسن صحبتها، ويكون له نصيب من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم من ولي من أمر هذه الأمة شيئاً فرفق بهم فارفق به" (12) .
فأبشر بالخير يا عبد الله، فوالله ما سمع بفعلك عاقل إلا دعا لك بخير، رغم أنك أحسنت لنفسك، لكن أبى الله إلا أن يظهر شكر صاحب الفضل على ألسنة الناس.
وأنت يا من لا زلت على الخطأ بالرغم من أنك تعلم أنه خطأ:
لا يغرنّك قول بعض الجهلاء ومثلك توزن القبائل بعقله، ويصدر الناس عن رأيه، فوالله إن بعضهم يزين الباطل ليرضي أهواء من أمامه، وإلا فانظر إليه قد زوج بناته وحصّنهن، ولا زال يلقي على أذنك أن هذه أعراف من سبقك.
صدقوني أن هذا الجنس المنافق هم أساس البلوى ورأس البلية، ولا يزالون يجاملونكم في ظلمكم، وهم يتكلمون بكم في المجالس بالغيبة والنميمة والسب والتشنيع؛ بسب حبسكم لبناتكم الضعيفات.
ونحن نقول: الوسط طيب.
زوّج من قبيلتك، أو ممن يقابلك من القبائل الأخرى، ولا تبوء بإثم امرأة مسكينة، ربما تحاجك بين يدي الله يوم البعث والنشور.
فبأي عذر تجلس حبيسة البيت..؟!! ألأنَّ أحداً من بني عمومتها لم يتقدم لها؟
وماذا تفعل إذا كان بنو العمومة يذهبون إلى غيرها فيتزوجون بهن ويتركونها؟
فهل ستجلس حزنا على مثلهم؟!
سنوا سنة حسنة فاسبقوا إلى الفضل، وفوزوا بأجر من يأتي بعدكم، وإياكم أن تمضوا على سنة من كان قبلكم في ظلمه وبغيه فتبوؤا بالإثم، قال صلى الله عليه وسلم:"من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" (13) .
ويا عباد الله: دعوا الكبر، فهو الذي قاد الناس إلى مهاوي الردى.
تقول: أنا ابن فلان، فالناس كذلك يقولون.
تقول: قبيلتي لها شأن، فالناس كذلك يقولون.
والعاقل المنصف هو الذي يعرف قدر الناس ومالهم من الفضل، ولا يظن أن الفضل محتكر على قبيلته.
فالافتخار بالقبلية والأعراف المخالفة للشرع مذموم على كل حال، والسعيد من نجاه الله سبحانه وتعالى منه.
فيا أيها المسلمون: حصنوا بناتكم بالزواج من الأكفاء، واحرصوا على إبراء ذممكم أمام هذه الأمانة المستودعة بين أيديكم.
أليس جميلا أن ترى بُنيّتك سعيدة مع زوجها، ولها بيت وبنون؟
على أنني أنبه، أنه كما يجب على المرء الحرص على تزويج ابنته، فكذلك يجب أن يختار لها الصالح، ولا يكون هدفه فقط أن يزوجها، ولو كان الزوج فاسداً أو سكيراً أو صاحب مخدرات، بحجة أنه سيعقل غداً، أو يعتذر بقوله: إنه قريب لي.
سأل رجل الحسن البصري رحمه الله فقال:"إن لي ابنة فمن ترى أزوجها؟ قال: زوجها من يتق الله تعالى، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها".
وقيل لبعض الحكماء: فلان يخطب فلانة، فقال: أموسر من عقل ودين؟، قالوا: نعم، قال: فزوجوه إياها.
فالله الله في السؤال عن الصلاح، فإن الفاسد العابث لا يستر المرأة، وحريٌّ بها أن تعود إليك كما ذهبت منك، أو أن تصبر على مضض.
فاحرص على الصالح طيب الأخلاق، فإن حصلته فعض عليه بالنواجذ.
نسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأن يوفقنا لصالح القول والعمل، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
26 رمضان 1427هـ
الهوامش:
(1) رواه الترمذي، وهو حسن، انظر: إرواء الغليل للألباني (1868) .
(2) رواه أحمد؛ وهو صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة للألباني 1120.
(3) رواه: البخاري 5995 ـ ومسلم 2629.
(4) أخرجه الخطيب في تاريخه، وهو صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة للألباني 1026.
(5) رواه: البخاري 3331، ومسلم 3632.
(6) رواه: البخاري 4686، ومسلم 2583.
(7) رواه: البخاري 4347، ومسلم 19.
(8) رواه الطبراني، وهو صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة للألباني رقم 818.
(9) سورة غافر الآيات 18ـ19.
(10) سورة يوسف الآية:90.
(11) رواه مسلم 2348.
(12) رواه مسلم 4699.
(13) رواه مسلم 2348
أدب الصداقة والعتاب - الشيخ سالم العجمي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد..
فإن مما يقرب بين القلوب ويذهب الأحقاد والضغائن: العتاب بين الأحبة بالحسنى وباللفظ اللطيف، ولذلك فقد مدح قوم العتاب فقالوا: العتاب حدائق المتحابين، ودليل على بقاء المودة.
وقال بعض أهل الأدب: العتاب خير من الحقد، ولا يكون العتاب إلا على زلة.
فالذي يحمل في قلبه على عشرائه إنما يجمع الأحقاد ويكثرها، فإذا عاتب صاحبه تبين له ما كان ملتبسا بشبهة، واتضح له ما كان يحتمل أكثر من معنى، ومن أجل ذلك قال القائل:
وفي العتاب حياة بين أقوام وهو المحك لذي لبس وإيهام