فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 9994

عباس محمود العقّاد

الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على إمام المرسلين محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسانٍ إلى يوم الدين ..وبعد:

يظل الناس يرزحون تحت أثقال العزلة الفكرية المخيفة ، تارةً يكتفهم الغموض ..!وتارةً لا يجدون إلا

الهروب..وبين غموض وهروب يعيش الناس حتى يُوسدوا في القبور..

نعيش أزمةً في طرائق التفكير ، ألم تسأل نفسك يومًا: كيف يفكر المخالف لك؟! وماهي طرائق استدلاله التي أهوت به في الخلاف؟ أسئلةٌ كثيرة بحاجة إلى جواب وكشف…، أسرجت مصباحي ، وسهرت ليلي مع ضيف قدير ..إنه عباس محمود العقّاد..

مع كتابه (التفكير …فريضة إسلامية) قرابة 150صفحة تحدّث فيه عن أهمية التفكير ومدارس التفكير في

التراث الإسلامي من أهل حديث وفقهاء ومناطقة وفلاسفة ثم خاتمة بديعة..الكتاب توقف عن الطبع والإصدار وآخر طبعاته طبعة دار الكتب المصرية ضمن المجموعة الإسلامية الكاملة للعقّاد.

وقد قيّدتُ منها ما تحرك له البنان طربًا..لبعض مقولات العقّاد

فدونكم إياها..

-وعليكم أن تسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، ولكن أهل اذكر الذين لا ينتفعون بذكرهم لا ترجى منهم التذكرة لغيرهم ، ومن لن يكن من أهل الذكر فليس بعسير عليه أن يكون من المميزين بين الصادقين منهم والمنافقين ، وبين سيرة الرشد والاستقامة وسيرة الغواية والاعوجاج..

… ولا خير في فتنة يضرمها العصيان على غير بصيرة ، ومن تكن له قدرة على الطاعة ولم يكن في عصيانه أمان من التفنية الطامة فله في الهجرة متسع يأوي إليه ما استطاع..

إن الخلاف يقل كلما قلّ المنطق ويكثر ويشتد كلما كثرت مناقشاته واشتدت منازعاته ، وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة ، بل المتفلسف أعظم اضطرابًا وحيرة في أمره من المتكلم لأن عند المتكلم من الحلق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف ولهذا تجد مثل أبي الحسن البصري وأمثاله أثبت من مثل ابن سينا وأمثاله.وأيضًا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقًا واختلافًا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان.وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقًا وائتلافًا ، وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب.فالمعتزلة أكثر اتفاقًا وائتلافًا من المتفلسفة ، إذ للفلاسفة في الإلهيات والعادوالنبوات ،بل وفي الطبيعيات والرياضيات وصفات الأفلاك من الأقول ما لايحصيه إلا ذو الجلال .

-المسائل التي ثار فيها الخلاف مع الفلاسفة:

وقبل الاستطراد إلى تلخيص مذهب ابن رشد فلم بالمسائل التي ثار عليها الخلاف بين الفلاسفة والفقهاء بعد عصر الفارابي وابن سينا وكان أكثر خلافًا على التعبير دون المعاني الجوهرية.ويدور كله على مسائل أربع هي قدم العالم وعلم الله بالجزئيات وصفات الله وخلود النفس بعد الموت.

-سماحة عقيدة الإسلام: ولكن المذاهب الفلسفية قد يظهر فيها ما يضيق بالاسلام ويخالفه حينًا بعد حين ، ولا تثريب على عقيدة تخالفها بعض العقول ، لأن العقائد لا تُطالب بموافقة كل عقلة على سواء أو على انحرفا.وحسبها من سماة أنها لا تصد عقلًا عن سواه.

-كلام جميل عن معنى الفنون الجميلة في الإسلام:

كثرة الأنصاب والتماثيل في المعابد والبيع ليست بالمقياس الصحيح لنصيب الفنون الجميلة من الدين الذي يدان به في المعبد أو البيعة.لأن المعابد الوثنية كانت تتسع للأنصاب والتماثيل وليست بالنموذج الصالح للأديان في الهداية إلى معاني الجمال والحض على الفنون الجميلة ، وهي في جملتها لا تخلو من العبادات البشعة والشعائر القبيحة والعقائد التي لا تجتمع والجمال في شعور واحد.. إنما يُقاس نصيب الفن الجميل من الدين بنظرة الدين إلى الحياة ..فلا يُقال عن دين إنه يحيي الفنون الجميلة أو يتقبل إحياءها إذا كانت له نظرة زرية إلى الحياة وكان ينظر إليها كأنها وصمة زرية ، وإلى الجسد ومتاعه كأنه رجس مرذول وانحراف بالإنسان عن عالم الروح واكمال.ولا يقال عن دين إنه يزدري الفن الجميل إذا كان الجمال من مطالبه وكانت نعمة الحياة مقبولة في شرعة المتدين بل واجبة عليه..

والاسلام بين الأديان قد انفرد بقبول نعمة الحياة وتكزيتها والحض عليه و وحسبانها من نعمة التي يحرم على المسلم رفضها ويؤمر بشكرها . وغيره من الأيان بين اثنتين: فإما التسكوت عن التحريم والايجاب معًا والتصريح القاطع بالتحريم والتأثيم..أما الاسلام فإنه يحل الزينة ويزجر من يحرمها ، ويصف الله بالجمال من آيات قدرته وسوابغ نعمته على عباده

-ظهور التصوف: إن الإسلام وضع التصوف موضعه الذي يصلح به ويصلح من يريده ، فليس هو بواجب وليس هو بممنوع ، ولكنه ملكة نفسية موجودة في بعض الطبائع لازمة لمن وجدت في طبائعهم ، وألزم ما تكون لهم حين تفترق مقاييس الأخلاق ومعايير القيم الروحية بينهم وبين مجتمعاتهم ، فإن الفرد إذا افترق ما بينه وبين مجتمعه من هذه القيم تجنبه بالرهبانية ولارهبانية في الإسلام ، أو صاغ فضائله على وفاق ضميره وهو مقيم في مجتمعه لا حسيب عليه بينه وبين ربه ، وتلك هي شريعة الإسلام الذي لا سلطان فيه لمخلوق على مخلوق في طاعة الله.

-الإفراط في الخوف من التشبه: في هذه الفترة كثر التساؤل عن أمور لم تكن موضع سؤال في صدر الإسلام وليست هي موضع سؤال في هذه الأيام .، وسمع الاستفتاء بعد الاستفتاء في الكبريت هل يجود قدحه؟….ولاح هؤلاء المتحرجين كأنهم يعيشون في هذا العالم في سجن مغلق يخشون أن يمدوا أصبعًا إلى شيء فيه فينطلق منه شيطان متربص أو مارد محبوس..ولم تدم هذا الغاشية إلا ريثما تجددت الثقة في النفوس وثبتت الأقدام على منهج الاصلاح فخفت وطأة الحرج الذي استمده المسلمون من حصانة دينهم وأيقنوا أن طرق التقدم وطرق العلم الحديث لا تفترقان وأن المسلم أولى من غير المسلم بكل علم من علوم المعرفة لأنه مأمور بالبحث عن أسرار الخلق مطالب بالفهم والتفكير ، وتخلفت مع الجهل والخمول رواسب من الجمود تخلق الإحراج في غير حرج كلما اضطرت المتعجلين إلى بعض الروية والأناة قبل الهجوم على كل شيء جديد ، لغير نفع فيه إلا أنه يخالف القديم…

30-5-1427هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت