فهرس الكتاب

الصفحة 6958 من 9994

#من أمثال القرآن

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:

فإن"التمثيل منزع جليل بديع من منازع البلغاء لا يبلغ إلى محاسنه غير خاصتهم"1 «ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المِثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كالمشاهد» .2

لحكم بالغة فقد أكثر سبحانه وتعالى من ضرب الأمثال في القرآن ، لما لها من قدرة على الكشف والبيان، وتقريب المعاني بصورة المحسوسات، لأن الأفكار والمعاني ، قد لا تفهم بالمقال أو الخطاب المجرد، بينما إذا مثلت بصورة مشابهة لشيء محسوس مرئي أو مسموع، فإن العقول تتقبل ذلك المعنى وتستحضره، لميل النفوس إلى المحسوس، ولأن صورة المحسوس والمشاهد تبقى في الذهن وتنطبع فيه، في حين تضمحل فيه الألفاظ والكلمات المجردة..

وقد ذكر الله -عز وجل- كثيراً من الأمثال؛ سناء"لا يخفى ونوراً لا يطفى يرفع الأستار عن وجوه الحقائق ويميط اللثام عن محيا الدقائق ويبرز المتخيل في معرض اليقين ويجعل الغائب كأنه شاهد..."3 إضافة إلى بلاغتها وفصاحتها.

وسوف نذكر بعض تلك الأمثال-إن شاء الله- مع بيان معانيها من كلام أئمة التفسير عليهم رحمة الله.

المثل الأول:

قال الله -تعالى- عن المنافقين: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} (17) سورة البقرة.

قال ابن كثير -رحمه الله-: (وتقدير هذا المثل أن الله -سبحانه- شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها، فبينا هو كذلك إذا طفأت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد) 4

ويدلنا هذا على خطورة الانتكاس عن الحق والرجوع إلى الباطل، وأن هؤلاء المنافقين كانوا على الإسلام ولكنهم استبدلوه بنفاق؛ كما قال -تعالى-: (( وكفروا بعد إسلامهم ) )في سياق ذكر المنافقين.

قال ابن مسعود وغيره من الصحابة في قول الله: (( فلما أضاءت ما حوله ) )أن ناساً دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة ثم إنهم نافقوا، وكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله من قذىً أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه، فبينما هو كذلك إذ طفأت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، والخير والشر، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: (أما النور فهو إيمانهم الذين كانوا يتكلمون به، وأما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك) .5

فاتضح -من خلال كلام علماء التفسير- أن هذا مثل ضربه الله للمنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى، وكانوا في بادئ الأمر قد دخلوا في الإسلام، ثم كفروا بعد إسلامهم وارتدوا على أعقابهم..

وقد ذهب ابن جرير إلى أنهم أصلاً لم يؤمنوا وإنما دخلوا في الإسلام نفاقاً من أول الأمر، واستدل بقوله -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} (8) سورة البقرة، فبين الله أنهم يزعمون الإيمان، وهم في الحقيقة لم يؤمنوا، وقد قال ابن كثير: والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية هاهنا وهي قوله -تعالى-: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} (3) سورة المنافقون6

المثل الثاني:

قوله-تعالى- في المنافقين أيضاً: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (19-20) سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت